تمثل قضية اللاجئين في العالم، ولا سيما في أوروبا، أزمةً

سياسيةً واجتماعيةً كبيرةً تحتاج إلى جهود متشابكة صعبة المنال لاحتوائها ؛ وإن كانت كل الشواهد تشير إلى أن الأزمات السياسية في منطقة الشرق الأوسط ستتسبب في مزيد من عمليات النزوح إلى الغرب، وهو ما يزيد من تعقيد الأزمة في الوقت الراهن. وعرض مرصد الأزهر قراءة في كتاب «اسمي لاجئ: قصة منفي» الذي صدر في إسبانيا حديثًا ، باعتباره كتابًا يطرح فكرة غير مطروقة ويتناول الأزمة من زاوية جديدة.

ونشرت دار UOCالإسبانية الكتاب للصحفيتين الأرجنتينية «إيريني ل. سابيو» بالتعاون مع زميلتها الإسبانية «لتيثيا ألبارث ريجيرا» اللتين قامتا برحلة إلى البلقان وكذلك إلى مخيمات اللاجئين في اليونان، وتابعتا هذه القضية الإنسانية يومًا بعد آخر.

أسباب الهجرة

والكتاب عبارة عن مجموعة من القصص حول أزمة اللاجئين، وهي أسوأ الأزمات التي مرّ بها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وحصلت الكاتبتان على تفاصيلها خلال العمل في تركيا واليونان وصربيا وكرواتيا وألمانيا، وتحاولان شرح أسباب الهجرة والوصول إلى أعماق أبطال هذه القصص بعيدًا عن الصورة التي تتناقلها وسائل الإعلام.

وتشير المؤلفتان إلى ما يتعرَّض له اللاجئون من معاناة بسبب عصابات التهريب والاتجار بالبشر حيث يقع كثير منهم فريسة على حدود بعض الدول، وهو الأمر الذي يضاعف من خطورة الأزمة التي تطورت إلى عمليات اغتصاب للنساء وللقُصر، واستغلال للأطفال على أيدي الخارجين على القانون.

ويتحدث الكتاب عن تجارة نقل المهاجرين ويصف من يعملون في هذه المهنة بـ»البؤساء الذين ينقلون بؤساء آخرين» لأنهم غالبًا يعملون في مناطق حدودية ذات طقس قاس وعلى شواطئ البحار مثل إيجة والمتوسط، كما أنهم يعملون على توفير وثائق سفر مزورة للمهاجرين.

مهنة

انسانية

أجرت الكاتبتان حوارًا مع «أبي علاء» أحد هؤلاء التجار، والذي أكد أنه يهتم بالمهاجرين السوريين نظرًا لما يعانونه في بلادهم، مشيرًا إلى أنه ومعاونيه يساعدون ما يقرب من 150 شخصًا يوميًا للعبور إلى أوروبا، وفي حالة الطقس السيئ يضطرون إلى الانتظار حتى تتحسن الأحوال الجوية إلا إذا طلب المهاجرون عكس ذلك، والطريف أنهم يعتبرون مهنتهم «إنسانية» لأنهم يساعدون الناس على الهروب من ويلات الحروب.

وأشار إلى آلاف الأشخاص الذين يريدون العبور إلى اليونان وأنه يتلقى كل يوم مئات المكالمات الهاتفية لأشخاص يطلبون ذلك، حتى أنشأ صفحة على موقع التواصل فيسبوك باسم «الطريق إلى أوروبا» يعرض فيها خدماته التي تتراوح بين توفير مركب يقل خمسة وثلاثين شخصًا يتكلف 800 دولار وبين مركب آخر أكثر أمانًا لنقل العائلات تبلغ تكلفته 1400 دولار، ويدفع الأطفال أقل من 12 عامًا نصف التكلفة، أما الأطفال الرُضع فيتم نقلهم مجانًا بصحبة ذويهم.

وحسب تقارير «اليوروبول»، استوعبت التجارة أربعين ألف شخص قادمين من مئة دولة مختلفة على رأسها بلغاريا ومصر والمجر والعراق وكوسوفو وباكستان وبولونيا ورومانيا وصربيا وسوريا وتونس وتركيا، وتُحاط هذه الطريقة في الهجرة بالمخاطر اذ تُستخدم فيها مراكب ذات محركات بالية، وسترات النجاة التي تباع للمهاجرين غير سليمة، لكنهم يستغلون حاجتهم في جمع الأموال بأية طريقة.

ويشير الكتابُ إلى أن السوريين يلقون معاملة طيبة في الموانئ اليونانية حتى أولئك الذين يتم ضبطهم بوثائق مزورة؛ لأن رجال الأمن والمسؤولين القائمين على الموانئ اعتادوا على مثل هذه الحالات. أما تجار البشرف يعاملون المهاجرين معاملة قاسية فيسوقونهم كالأنعام، وينتظرون فترة تغيير نوبات الحراسة على الحدود التركية من أجل نقل المهاجرين خِلسة حتى لا يقعوا في قبضة الحراس.

معاناة الأطفال والرضع

وينتقل الكتاب إلى نقطة أكثر قسوة وهي معاناة الأطفال والرضع ممن لا يجدون غذاءهم، حيث تنام أسرهم في العراء مفترشة أغطية بسيطة على الأرض. من جانب آخر، يروي الكتاب اعتمادًا على شهادات حية مأساة الفارّين من بلدانهم بسبب الحرب وكيفية استفادة الشبكات التجارية من أزمتهم؛ واستغلت بعض الشبكات التجارية هذه الأزمة في عبور اللاجئين بالقوارب من تركيا إلى اليونان عن طريق البحر سعيًا لتحقيق أرباح طائلة، وقد نتج عنه وفاةمئات اللاجئين، ويطرح الكتاب كذلك قضية إغلاق الحدود ومدى تأثيرها السلبي على اللاجئين.

تجربة الإيزيديات

ويحكي الكتابُ مأساة اللاجئين الفارّينمن العراق، الذي يعاني الكثير من مواطنيه من تنظيم داعش الإرهابي منذ عام 2014، حيث تقع العديد من النساء الأيزيديات في قبضة التنظيم ليتحولن إلى إماء. وتحكي فتاة أيزيدية تُدعى «سامية» من قرية «حردان» بمنطقة جبل سنجارالعراقية عمليات الاختطاف الجماعي والقسري للنساء من قراهن على مرأى ومسمع من الرجال وتحت تهديد السلاح، حتى إن الفتاة تقول إنها لا تعلم شيئًا عن مصير أبيها الفقير الذي كان يعمل في الحقول لكسب الرزق.

ويؤكد الكتاب على أن معاناة اللاجئين لم تنته في أوروبا؛ أو بمعنى آخر، لم تكن أوروبا في كل الحالات هي الفردوس المنتظر بل كانت ولا تزال هناك بعض المشكلات التي تواجههم على كافة المستويات مما جعل العديد منهم يفضلون العودة إلى بلادهم مرة أخرى نظرًا لما يلقونه من معاناة.

دور وسائل التواصل

وتشرح المؤلفتان دور وسائل التواصل الاجتماعي في خدمة اللاجئين، ومساعدتهم في التواصل مع ذويهم ومع من يقومون بمساعدتهم في السفر ونقلهم من مكان لآخر عبر الحدود؛ كما يستخدمون هذه الوسائل كمصدر للمعلومات من أجل التعرف على أخبار المناطق الحدودية التي يمرون من خلالها إلى الدول التي يقصدونها، فضلًا عن استخدام الخرائط والتقنيات الحديثة في السفر.

وفي السياق أكد بعض الشهود الذين استعانت بهم المؤلفتان على أن استخدام التقنيات الحديثة ساهم في حماية اللاجئين لأنفسهم بشكل أفضل من ذي قبل.