تحت عنوان «والدي الأمير نايف بن عبدالعزيز» ألقى صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز أمير المنطقة الشرقية محاضرة أمس في الجلسة الثانية ضمن فعاليات معرض «نايف القيم»، الذي افتتحه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز يوم الأحد الماضي، حيث ترأس الجلسة الاستاذ الدكتور عبدالرحمن اليوبي مدير جامعة الملك عبدالعزيز.

وقال سموه في مطلع حديثه: يشرفني هذا اليوم ان اتحدث عن والدي الامير نايف بن عبدالعزيز رحمه الله، وإن كان سبق والقيت العديد من المحاضرات واللقاءات في عدة مجالات، ولكن هذا اللقاء من اصعب اللحظات التي مرت عليّ، لأن من سأتكلم عنه هو والدي رحمه الله، بالإضافة الى علاقتي به كابن، وعلاقته بي كمعلم وقائد وموجه منذ الصغر، حيث أعطانا نحن أبناءه وبناته كامل الرعاية بالرغم من مسؤوليات الانسان وإداركه لضيق الوقت، الا انه كان يجد الوقت لعائلته. وكان رحمه الله -كما قال سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز- قويا من غير عنف، ولينا بغير ضعف، وهذه معادلة صعبة، ولكنه استطاع بما اعطاه الله من سعة بال وصبر وحلم وقدرة على الإقناع.

وأضاف سموه: الذكريات مع والدي -رحمه الله- كثيرة وسأسردها لكم، فقد نشأنا في بيت يعم فيه العطف والحنان والحرص الشديد على الصلوات، حيث كان -رحمه الله- قد يتجاوز عن أي شيء إلا فريضة الصلاة، حيث كانت بالنسبة له الأركان الخمسة لا نقاش فيها، ولا يقبل منا ان نتأخر عن الصلاة او الصيام في رمضان، والحرص على اداء فريضة الحج وكان يحرص على مرافقتنا بنفسه لأداء فريضة الحج، اضافة الى ذلك ان العقيدة بالنسبة له مبدأ حياة، ولا يقبل بحال من الاحوال ان يساوم بها، وايضا -رحمه الله- كان مؤمنا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ومؤمنا إيمانا كاملا بما فضل الله هذه الامة على باقي الأمم.

واستطرد سموه: هذه الصفات شربناها من نايف بن عبدالعزيز -رحمه الله- انا واخوتي، وكان يرى ان المسلم الحق لا يمكن ان يكذب او يغش وانه اذا وعد أوفى واذا التزم نفذ، وربانا -رحمه الله- على هذه الاسس الى ان كبرنا واصبحنا رجالاً واخواتي نساءً ونعمل بها، واصبحت طريقة حياتنا منذ طفولتنا واتذكر منذ ان كنا اطفالا انا واخي الامير محمد بن نايف واعمارنا لا تتجاوز سن الثامنة كان يأخذنا الى كل مكان، وجلنا المملكة العربية السعودية تقريبا من جبال وصحراء وسهول، وعلى شواطئها، وكان يحرص ان يعلمنا ويعرفنا على عادات القبائل وابناء هذه البلاد في كل منطقة وفي كل مكان، وكما نعلم انه -رحمه الله- كانت علاقته واسعة بجميع ابناء المملكة، وكان يصحبنا معه الى الخارج المملكة للذهاب الى بعض الدول العربية وكان يحرص ان نتعرف على حضارات وعادات اهلها ويحرص ان يعطينا الوقت للاستمتاع كأطفال بأماكن معينة ولكنه كان يحرص بشدة على ان نزور المتاحف والمكتبات وكان يقدم لنا الكتب لنقرأها عن البلدان التي نزورها.

وأضاف سموه: كان -رحمه الله- يحب القراءة وكان الكتاب الذي لا يفارقة ابداً وأهم كتاب هو القرآن الكريم، حيث يقرأه كل يوم كما انه يحرص على قراءة الكتب ويحرص على ان نقرأ الكتب ويناقشنا في الكتب التي نقرأها وماذا تعلمنا من هذه الكتب حيث كنا نقرأ في الشعر والادب والعلوم والدين والقصص والروايات، وفيما بعد عندما اصبحنا في سن معين كان يصطحبنا معه لهوايته وهي الصحراء بكل ما فيها من شغف العيش وحب الصيد وكان يصطحبنا معه للصيد كل عام ويعطينا ادوات الصيد لنتعلم كيف نصيد وكيف نعيش في الصحراء وننام فيها لأيام حيث كان يحرص ان نعيش كما يعيش اهل البادية وكنا نتعرض للعواصف الرملية وغيرها من ظروف الحياة في ذلك الوقت وكان يحرص على ان نتعلم من قسوة الحياة، بعد ذلك أرسلنا الى خارج المملكة لدراسة اللغة انا واخي محمد في بريطانيا، وسكنت عند عائلة وكان مصروفي في ذلك الوقت جنيها استرلينيا واحدا فقط ويجب ان أدبر أموري بهذا المبلغ، وكان السكن متوفرا واستطيع ان أنام وآكل ولكن ليس لديّ الا جنيه استرليني واحد مصروف كل يوم، وكان -رحمه الله- لا يفرق بين أبنائه ابداً وهذه رحلة الطفولة والشباب وقد خرجنا بما خرجنا به من معرفة وهذه طريقة نايف بن عبدالعزيز -رحمه الله- في تربية ابنائه.

وبين سموه أن الامير نايف -رحمه الله- كان لطيف العشرة، رقيق القلب، عطوفا، ويتعاطف مع الصغير والكبير، ولا يستطيع ان يرى طفلاً يبكي، فكان يتألم عندما يرى طفلا عينيه تدمع، ليس على ابنائه او أحفاده، ولكن اي طفل كان يقف في اي مكان حتى ولو كان على عجلة من أمره ليرد على أحد الاطفال، ولو كان متوجها لمجلس الوزراء، فكان يقف ويستمع للطفل كما يسمع للشيخ الكبير، كما كان منصتا وباهتمام لكل من يتحدث معه ولم يقاطع احداً وهو يتكلم بل كان منصتاً دائما مهما كان الشخص الذي أمامه، وقد اعطاه الله من الانصات للكلام والذاكرة ما يؤهله ليراجع ماذا قاله الشخص امامه ليقنعه او يقتنع، وايضا كان لا يترك صفحة من معاملة ترد إليه الا ويحرص على قراءتها كلها مهما كانت صفحاتها بالعشرات بل كان يقرأها وبدقة وحرص وروية، ولا أذكر عندما عملت معه انه رفع معاملة او ترك معاملة ولم يقرأها بل كان يقرأ المعاملات حتى تنتهي وبعد ذلك يوجه بما يلزم، وكنا نستغرب عندما يكتشف بعض الامور عند مراجعة معاملة ما وقد مرت على العاملين معه ولم ننتبه لها، وكان -رحمه الله- يكتشفها حيث كان دقيقا جداً.

واستطرد الأمير سعود بن نايف قائلا: سألت والدي الأمير نايف -رحمه الله- في إحدى المرات لماذا تحرص على قراءة المعاملات وانت لديك عدد كبير من الوكلاء والمساعدين والنواب والمستشارين الذين يعملون معك؟ فقال في نهاية الامر انا المسؤول أمام الله، واحرص عندما اعطي توجيها على ان افكر ان هذا التوجيه صحيح، كما كنت أسأله بعض الاحيان عندما يكون الوقت متأخراً لمنتصف الليل لماذا تحرص على بعض المعاملات لقراءتها وكانت تخص السجناء وكان جوابه -رحمه الله- ان بتوقيعي على احدى هذه العاملات سأجعل شخصا يذهب ليبيت مع أهله كما أبيت مع اهلي، وكانت معاملات السجناء من المعاملات التي تطرح أولاً أمامه -رحمه الله- وعلى رأس القائمة، وكان يحرص على انهائها سواء كان على سفر او اجتماع او ساعة متأخرة من الليل، واتذكر في إحدى المرات أن عددا من المسؤولين وأثناء مغادرته للمطار قد صعدوا معه للطائرة لإنهاء أعمال قد طلبها، ولا يسمح لهم بالنزول حتى ينتهي من جميع أعماله وهذه إحدى صفاته.

وكان -رحمه الله- لا يحب ان يعرف أحد ماذا يعمل لله، وكان يخفي اي عمل يقوم به ويحرص حرصاً شديداً ان يكون بينه وبين ربه، ولم يكن يريد ان يعرف احد ماذا يعمل، فكانت هذه عادته، وكان اكثر ليناً مع صاحب الحاجة بصورة لا يتخيلها اي انسان، ورقيق القلب الى درجة لا يمكن ان يتخيل معها احد ان هذا هو وزير الداخلية، كما كان اعطف وأرق وألطف من تتعامل معه بكل ود وأريحية دون خوف او جزع، وكان -رحمه الله- فعلا يحرص ان يجعل الذي أمامه يشعر انه يستطيع ان يقول كل شيء بكل راحة، فهذا نايف بن عبدالعزيز -رحمه الله-.

وأكمل سموه: الامير نايف بن عبدالعزيز -رحمه الله- كانت لديه قيم لم يكن يفتعلها، ولم يكن يؤديها كدعاية، بكل كانت قيم راسخة ثابتة تشربها من والده الملك عبدالعزيز -رحمه الله-، وكان له دور في تربيته وتعليمه، والامير نايف -رحمه الله- عمل مع جميع الملوك بدءا من الملك عبدالعزيز الى الملك عبدالله -رحمهم الله جميعا-، وكان اقرب ما يكون له، وبغض النظر عن مسمى الوظيفة التي كان يعمل فيها في اي وقت، كان -رحمه الله- مستشاراً عند اصعب الامور التي يكلف بحلها، وهذه حقيقة لأنه رجل كان يصغي ويستمع باهتمام، ويصمت ويسمح بالكلام، ويناقش بهدوء، ولم يكن ينفعل الا في أمر واحد فقط، وهو حدود الله.