كلما خيَّم الهدوء على العالم الذي بات يترقَّب حربًا نوويَّة بين الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة وكوريا الشماليَّة، تقوم الأخيرة بعمل استفزاز يُعكِّر صفو ذلك الهدوء، فمع التهديدات الأمريكيَّة، ووصول قواتها النوويَّة إلى شواطئ المياه الدافئة صوب كوريا الجنوبيَّة واتخاذها وضع الاستعداد، تمعن كوريا الشماليَّة في التحدِّي، وتُطلق صاروخًا بلاستيًّا جديدًا، ولا تصغي لأية نداءات أو تهديدات، وحتى بعد الدعوة التي تقدَّمت بها كل من أمريكا وكوريا الجنوبيَّة واليابان لمجلس الأمن، وما صدرعن المجلس من شجب واستنكار، لم تؤثر من قريب، ولا من بعيد على الزعيم الكوري الشمالي الذي يرى بأنَّه من حق بلاده أن تتملك كغيرها من الدول الكبرى سلاحًا نوويًّا.

ولقد سعت الولايات المتحدة منذ عقود في سبيل منع كوريا الشماليَّة من تطوير أسلحتها النوويَّة بجهود سياسية وأخرى تهديديَّة، إلاَّ أن ذلك لم يثمر عن شيء، ففي عهد الرئيس الأمريكي الأسبق «كلينتون»، زارت وزيرة الخارجيَّة الأمريكيَّة -آنذاك- «مادلين أولبرايت» كوريا الشماليَّة سعيًا من واشنطن لإقناع المسؤولين فيها للتخلِّي عن تجاربها النووية بدلاً من إجبارها على ذلك، مقابل إمدادها بالمساعدات، وإنهاء عزلتها مع ترشيدها، لكنها فشلت في ذلك، حيث يرى الكوريون بأن تجاربهم النوويَّة وامتلاكهم للسلاح النووي يُعدُّ وسيلة الضغط الوحيدة حيال التعاطي مع الولايات المتحدة، رغم اقتصادهم المنهار، لقد فشلت كل الجهود مع جد ووالد الرئيس الكوري الشمالي الحالي من قبل، وها هو يتبع خطاهم في مناكفة الولايات المتحدة ومجلس الأمن، فبعد أن قام بإطلاق صاروخ باليستي جديد الأحد الماضي، حذَّر الولايات المتحدة من التجاهل، وسوء تقدير أن برّها الرئيس وقيادة عمليَّات المحيط الهادي يقعان ضمن نطاق ضربات كوريا الشماليَّة.

ما أشبه الليلة بالبارحة، وكأنَّ أزمة الصواريخ الكوبية التي شهدها العالم عام 1962، ورأى من خلالها شبح اندلاع مواجهة نوويَّة في القارة الأمريكيَّة تعود اليوم مع اختلاف أبطالها واختلاف جغرافيتها، وهي الأزمة التي كانت العامل الأساس الذي دفع الجهود نحو إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النوويَّة في أمريكا اللاتينية نظرًا لتوافر الإرادة السياسيَّة بين القوتين العظميين آنذاك.

بعد إجراء عملية الإطلاق الأخيرة التي قامت بها كوريا الشماليَّة، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية -على لسان مندوبتها في الأمم المتحدة- بأنها ستواصل تضييق الخناق على كوريا الشماليَّة عن طريق فرض المزيد من العقوبات بما في ذلك الواردات النفطيَّة. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تستجيب كوريا الشمالية لتلك الضغوطات، أو تضعف أمام المطالب الأمميَّة، ومن ثم تقوم بالتوقف عن محاولاتها في امتلاك سلاح نووي؟!

الجواب على مثل هذا السؤال صعب أمام الإصرار وكذلك العناد من قبل الرئيس الكوري الشمالي الذي يتطلع إلى أن تكون بلاده في منظومة البلدان النوويَّة على غرار إسرائيل والهند وباكستان التي تم غض الطرف عنها وهي ليست في عداد البلدان النووية الكبرى.