كنت في القاعة الكبرى لمنظمة التعاون الإسلامي في جدة عندما جاء صوت مندوب فلسطين الدائم ماهر كركي شجياً ومعاتباً! والحق أن صوت الكركي كان معبقاً بكل ما في فلسطين من شجن ومن أمل ومن حنين. كان الرجل يتحدث عن معاناة الأسرى الفلسطينيين بقيادة القيادي الصامد مروان البرغوثي الذي يواصل إضرابه عن الطعام منذ السابع عشر من إبريل رافعاً شعار «إضراب من أجل الحرية والكرامة».

كان مبعث الشجن هو تلك الإحصائية المؤلمة التي تتحدث عن أبشع أنواع التعذيب التي تطال 6500 من المدنيين الفلسطينيين من بينهم 300 من الأطفال و65 من النساء!

ومن طرق الاستنطاق القاسية إلى التهديد بالتغذية القسرية يعاني المضربون وعددهم 1800 أسير وأسيرة كل ما تلفظه القوانين والأعراف الدولية والإنسانية دون أن يتحرك أحد! وبينهم 13 طفلة و13 نائباً وصحافياً و19 مريضاً بالسرطان.

كان من اللافت بل المحفز للأمل عيون بقية المندوبين الآتين من القارات الأربع، وكأنها تواسي وتعزي! صحيح أن المواساة والتعزية لم تعد تنفع، لكنها في كل الأحوال تعبر عن تعاطف شعوب الأمة وتمسكها بالأمل.

أما مبعث العتاب فهو بروز ظاهرة التصويت السلبي تجاه قضايا القدس وفلسطين، ومن ذلك التصويت ضد القرار المعنون «فلسطين المحتلة» والذي يدافع عن مدينة القدس من الانتهاكات الإسرائيلية في الدورة 201 لليونسكو وامتناع عدد من الدول عن دعم القرار وتغيب البعض الآخر، علاوة على امتناع عدد من الدول عن دعم القرارات المتعلقة بحق الإنسان للشعب الفلسطيني بما فيها حق تقرير المصير في الدورة 34 لمجلس حقوق الإنسان!

ويبدو أن المندوب الفلسطيني أدرك خطورة انتقال العتاب إلى التلاوم فطوى الصفحة الماضية مطالباً ببدء صفحة جديدة وناصعة للتصويت الإيجابي لصالح القدس وفلسطين! وحتى يبلغ الحاضر الغائب راح كركي ينبه الى المناسبات القادمة التي تتطلب التصويت الإيجابي لصالح القضية وهي على النحو التالي: الدورة 70 لجمعية الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، وستنعقد في الفترة من 22 الى 30 مايو في جنيف، وستتقدم فلسطين بمشروع قرار عن الأحوال الصحية في الأراضي المحتلة ينص على حق الفلسطينيين في تلقي العلاج من هذه المنظمة.. فهل من معترض ؟!.

وفي الدورة 53 لمجلس حقوق الانسان التي ستعقد في يونيو المقبل بجنيف سيتم مناقشة البند السابع بخصوص أحوال الفلسطينيين ومعاناتهم تحت الاحتلال الفلسطيني.. فهل من رافض أو غائب أو ممتنع؟!

قالها الكركي الفلسطيني بوضوح وتعامل معها المندوبون الدائمون بوضوح أكثر عبر عنه بيانهم الختامي.. تأكيداً وتضامناً وإصراراً.. ولمَ لا ؟ أنا في مبنى منظمة التعاون الاسلامي وليس في مبنى الجامعة العربية!

كنت أنهي المقال عندما جاءني نص كلمة إمام الحرم المكي الشريف مخاطباً القمة العربية الإسلامية الأمريكية قائلاً: أيها القادة المحترمون أنتم تجتمعون فى القلب النابض للأمة، حاملة لواء الإسلام، والاعتزاز بالدين.. ينبغي أن يكون الطرح واقعيًا، وأن توضع النقاط على الحروف، والتأكيد على أن التدخلات في المنطقة كان لها الأثر السيئ في تفاقم الصراعات الطائفية، والدينية، والقومية، والعرقية، وغلبة المصالح الجزئية، والأحادية عليه، ولابد من لجم هذه الفوضى المسلحة والتي يقودها إرهابيون، ووقودها شباب أغرار، ومن ورائهم رعاة إرهاب، مما ساعد الجماعات المتطرفة على سهولة الاستقطاب في مناطق الصراع والنزاع».