يفرح المرء كثيرًا وهو يشاهد أو يسمع عن فعاليَّات لغويَّة تقام هنا أو هناك، فهي كلُّها أعراس تتوشَّح بجماليَّات الفصحى، وتتضمَّخ بعطرها، وتفصح عن مفاتنها وجمالها، وهو عشقٌ جميل قديمٌ حديث موغلٌ في تاريخ اللُّغة الخالدة، ونشهده في زمننا المعاصر في مؤسَّسات علميَّة وأكاديميَّة ومراكز متخصِّصة في خدمة لغة الضَّاد، فبالأمس القريب أقام مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدَّولي لخدمة اللُّغة العربيَّة فعاليَّات متميِّزة في الأسبوع الختامي لبرنامج «شهر اللُّغة العربيَّة في الهند» فقد شهدت قاعة «أنصاري» في الجامعة الملِّيَّة الإسلامية بنيودلهي الجلسة الافتتاحيَّة لتلك الفعاليَّات برعاية معالي سفير خادم الحرمين الشَّريفين في الهند، وسعادة الأمين العام لمركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدَّولي لخدمة اللُّغة العربيَّة، وكان من اللَّافت للانتباه ذلك المؤتمر الدَّولي عن اللُّغة العربيَّة، الذي أُقيم في هذه المناسبة، ومسمَّاه: «اللُّغة العربيَّة في الهند – الماضي والحاضر والمستقبل» وقُدِّمت فيه أكثر من خمسين ورقةً علميَّةً لأساتذة اللُّغة العربيَّة في الجامعات الهنديَّة، واستمر على مدى يومين، وهو يناقش واقع اللُّغة العربيَّة في الهند، وأهم التَّحدِّيات التي تواجهها، وعناصر النُّهوض باللُّغة العربيَّة في المراكز والمعاهد والجامعات الهنديَّة، مع ما شهدته الجلسات من مداخلات علميَّة أثرت اللِّقاءات، وأعطت انطباعًا جميلًا عن اهتمامهم باللَّغة الفصحى. وحَفَلَ البرنامج بإقامة ورشة عمل عن «مشكلات وطرق تدريس اللُّغة العربيَّة للنَّاطقين بغيرها»، ولقاءٍ تدريبي يركِّز على «مهارات البحث العلمي وتحقيق التُّراث في المجال اللُّغوي».

وشارك أعضاء الوفد العلمي في الحديث عن الجهود التي تُبذل في خدمة اللُّغة العربيَّة، وذلك من خلال النَّدوة العلميَّة التي أُقيمت في هذا الخصوص عن «جهود المملكة العربيَّة السُّعوديَّة والمركز في خدمة اللُّغة العربيَّة» وذلك في جوانب متعدِّدة تُفصح عمَّا يُبذل في خدمة لغة القرآن الكريم، وتطوير برامجها، والوصول بها إلى كلِّ الأقطار في أرجاء المعمورة، حيث اللَّهفة الجامحة لدى كثير من النَّاطقين بغير العربيَّة لتعلُّمها

.

والحديث هنا عن الجهود في تاريخ العربيَّة قديمها وحديثها لا ينقضي، فلقد أحدثت الفصحى نقلةً عظيمة منذ ما يزيد على أربعة عشر قرنًا، بعد أن كانت قبل بزوغ فجر الإسلام محصورة في شبه جزيرة العرب، تبدَّل حالها مع مجيء الدَّعوة الخالدة واتَّسع نطاق انتشارها، فانتشرت مع الدِّين الحنيف في مختلف الأرجاء والبلدان التي دخل إليها، ليس ذلك إلَّا لأنها لغة القرآن الكريم، ولغة سيِّد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، وتعلُّمها وفهمها من الدِّين، فأصبح من الضَّرورة الحرص على تعلُّمها حتى عند النَّاطقين بغير العربيَّة، الذين يحرصون على تعلُّمها والإجادة فيها، وربما نبغوا فيها وأجادوها، وهي ليست لغتهم الأُم، والأمثلة في ذلك كثيرة ووفيرة في تاريخ العربيَّة ماضيِّها وحاضرها.