إذا كان ابن بطوطة وابن فضلان، وغيرهما من الرحالة والمستكشفين العرب الأوائل، الذين جابوا العالم شرقًا وغربًا وسجلوا انطباعاتهم ومشاهداتهم في أسفارهم، التي ألفوها منذ قرون وما زالت تحظى باهتمام الباحثين.. فإن الرحالة السعودي، أمين غبره، قد خطا خطوات أبعد من مجرد تسجيل الانطباعات عن حياة الشعوب وغرائب عاداتها، حيث كان محور اهتمامه، فيما يمكن أن يطلق عليه التخصص في آداب الرحلات فقد كرَّس تركيزه على رصد توثيقي لأقدم المساجد وأغربها في مشارق الأرض ومغاربها.. عبر رحلة امتدت 40 عامًا..

جاب خلالها كل أركان وزوايا المعمورة مؤرخًا في احتفاء كبير لبيوت الله في الأرض..

أمين موَّل رحلته، التي قام بها بمبادرة ذاتية من حر ماله.. مؤكدًا أن سفره لا لغرض السياحة، وإنما الاستكشاف، وأن ما اكتسبه من خبرة واطلع عليه من معلومات أغلى بكثير مما خسره.. أما كيف بدأت هذه الرحلة الطويلة، وكيف انتهت فهو حيث تمتد حلقاته على مدى شهر رمضان المبارك، يستعرض من خلاله أغرب وأقدم المساجد، التي زارها.. فإلى الحلقة الرابعة من سلسلة أحاديثه الشيقة


يتجول بنا الرحالة أمين في هذه الحلقة، في ربوع كازاخستان المجاورة لبخارى وسمرقند، وهذه المنطقة عمومًا معروفة بأطباقها الشهيَّة بالنسبة للسعوديين، خصوصًا في الغربيَّة، حيث يعيش عدد كبير من أهالي تلك المنطقة ممَّن هاجروا أيام الاضطهاد الشيوعي في بداية ومنتصف القرن الماضي، حيث استقر المقام بالكثير منهم في منطقة الحجاز، وخاصة مكَّة المكرَّمة، والمدينة المنوَّرة، وجدَّة، والطائف.

بدأتُ رحلتي جوًّا عبر طائرة من مطار إسطنبول إلى مدينة الماتا عاصمة كازاخستان سابقًا، قبل تغيير اسمها إلى مدينة «آستانة».

ويضيف أمين هي موطن الشعب الكازاخي، الذي ينتشر في روسيا والصين وتركيا وأوزبكستان، بالإضافة لكازاخستان.. وفي بدايات القرن السابع عشر أدَّت الصراعات إلى إضعاف المناطق الكازاخيَّة، والتي انتهت بالوصاية الروسيَّة. وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي أصبحت جمهوريَّة كازاخستان أكبر دولة إسلاميَّة في العالم من حيث المساحة، ويبلغ عدد سكانها أكثر من 70 مليون نسمة.

قبة الفيروز الأزرق

يقول الرحالة توجهت قصدًا لزيارة أكبر مساجد الماتا، وهو المسجد الذي بُني بدعم من رئيس الجمهوريَّة -آنذاك- (نور سلطان أبيشولي نازارباييف)، وكان ذلك في عام 1993م، وانتهي من بنائه وافتتاحه في عام 1999م، وقد بناه المهندس المعماري (سلطان كابييفيتش بايماغامبتوف)، حيث شيد على الطراز التيموري للهندسة المعماريَّة، وعدد مآذن المسجد خمس، بارتفاع 47 مترًا، ويصل قطر قبَّته الرئيسة الكبيرة المصنوعة من الفيروز الأزرق 20 مترًا، وبارتفاع 36 مترًا.

قتيبة بن مسلم

يمثل المسلمون فيها ما نسبته 70٪، وعندما تولى قتيبة بن مسلم الباهلي خراسان في سنة 88هـ، دخلت فتوح الإسلام في بلاد ما وراء النهر مرحلة جديدة، واستمرت الفتوحات بهذه المنطقة 14 عامًا، حتى وصلت إلى كشغر، على حدود الصين.. غير أن معظم آثار الحضارة الإسلاميَّة هناك دُمِّرت عندما تعرَّضت المنطقة لغزو المغول.

مسجد من ثلاثة طوابق

المسجد عبارة عن مبنى مستطيل مكون من ثلاثة طوابق بمساحة 76 × 50 مترًا. الجانب الجنوبي الغربي من المبنى هو محراب من خمسة جوانب، مع قبة دائرية على السطح. كما تم بناء زوايا المسجد في شكل أبراج مع قباب نصف دائرية يصل ارتفاعها إلى 27 مترًا. أمَّا إسطوانات المسجد فثمانٍ، الزوايا كتب على بعضها آيات من القرآن الكريم ومطعَّمة بالفسيفساء.

الإمام يتحدث العربية

اختتمت زيارتي بلقاء مع إمام المسجد واسمه (يسماغامبيت نوربيك)، والذي يتحدَّث العربيَّة الفصحى بطلاقة، بعد أن تمَّ تعيينه خلفًا للإمام السابق (كولموخاماد ماخانبيت)، الذي استقال من منصبه، وهو نائب المفتي ورئيس إدارة الشؤون الدينيَّة في الإدارة الروحيَّة للمسلمين في كازاخستان، رحب بنا، وكان مسرورًا لزيارة المسجد. قمت بإهدائه نسخًا من القرآن الكريم من مطبعة مجمَّع الملك فهد لطباعة المصحف بالمدينة المنوَّرة.