في بعض بلدان العالم تكتب الدساتير ويوافق عليها الشعب وتوضع على الرف إلا الدستور الأمريكي الذي لا يمر يوم إلا ويعود السياسيون والإعلاميون ومن له مظلمة من المواطنين ويستشهد به ناهيك على المشرِّعين في الحكومة الفيدرالية بمجلسيها -الشيوخ والنواب - ،وفي مجالس خمسين ولاية في أمريكا كلها تستند لحصانة الدستور الذي يُنظر إليه وكأنه يُكتب مجدداً في كل يوم من أيام السنة. والدستور الأمريكي كما هو معلوم كان نتيجة لحرب أهلية واستقلال من تحت الإمبراطورية البريطانية ،والذين عكفوا على صياغته لم تكن لهم أطماع قريبة المدى بل كانوا ينظرون الى الأمام وإلى الديمومة وإلى تخليد حروف القواعد القانونية التي أخذت في الاعتبار كل الاحتمالات ووضعتها في صيغ قانونية تعيش مع الدهر وإن اقتضى الأمر إضافة أو تعديلاً وُضعت الإجراءات اللازمة لذلك. ولا يمكن أن يفلت أي رئيس من الالتزام بالدستور والمساءلة في حالة المخالفة لأن الرقابة الذاتية جزء من حياة كل مواطن حسب فهمه وموقعه في السلطة أو المجتمع وجزء أساسي من ممارسات الإعلام بصفته السلطة الرابعة. محاكمة الرئيس السابق نكسن الذي ارتكب خطيئة (واتر جيت) الشهيرة التي أودت بحياة نكسن السياسية استندت الى إعاقة القضاء ومخالفة الدستور وتضاعفت واستمرت المساءلة من عام (1972الى1974) عندما استقال قبل صدور الحكم بإقالته وتولى نائبه جيرالد فورد الرئاسة وعُفى عنه وعاد الى مكان إقامته ولم يُسمع له صوت حتى وفاته.

في المرحلة الحالية يتعرض الرئيس دونالد ترمب لقضية مشابهة مع أن الوقت مبكر لإدانته إلا أن الدلائل تشير الى مخالفات ترقى الى مستوى مماثل لما حصل لسلفه الرئيس نكسن. والغرض من استجواب بعض المسؤولين في إدارة ترمب إيجاد ما يثبت الادانة بإعاقة العدالة وهي تسبق المحاكمة وتتم حسب نصوص مثبتة في الدستور وحسب الشواهد التاريخية والأدلة وحسب استنطاق الشهود المعنيين والمقربين من صناعة القرار والأحداث ،والمهم أن جمهور المحامين والمحللين الذين يتولون العملية يتم اختيارهم من الحزبين حتى عندما يكون هناك برنامج تلفزيوني يناقش القضية على الهواء فإنه يحرص على تمثيل وجهتي النظر لأن القصد الشفافية وإعلام الجمهور لإحقاق العدالة والمساواة في طرح وجهات النظر. وكما يشاهد أن كلمة إعاقة العدالة ومخالفة الدستور تتكرر على لسان كل من يشارك عدة مرات لأنها السند والمرجعية والحصانة المعتمد عليها في ذلك المجتمع ،والممارسة العادلة تحيي فعالية الدستور وتجدد فهم الفرد والمجتمع بما لهم وما عليهم. ورجال القانون المهتمون بالأمور الدستورية يتابعون ويتعلمون من المدرسة والتجارب الأمريكية .. وربما يعتبرون بما تفعله السلطة القضائية بكل من يخالف القانون رئيساً أو مرؤوساً، وإن أفلت مرة فلن يفلت في المرة الأخرى.

والقصد من الحديث عن الدستور الأمريكي وكيف أنه يتجدد ويزداد قوة وصلابة بعد كل حدث ،أخذُ العبرة والمقارنة. والهدف الاستفادة من تجارب الغير في مسيرتنا الإصلاحية والتنموية ،ونحن في العشر الأواخر من شهر رمضان وقراءة القرآن ،فهل عقدنا العزم على تجديد مفاهيمنا وتعزيز صلتنا بالله جل جلاله وبتعاليم ديننا الحنيف الذي فيه كل الحصانات الاجتماعية لو أخذنا بها واحترمنا مواثيقها؟

اللهم اشملنا بواسع رحمتك ولا تجعلنا من الضالين المضلين.