كثير من الاستراتيجيات عند بنائها تفتقد إلى بناء الأسس التي تحتاجها حتى تقوم عليها، والصناعة لا تختلف كثيرا عنها، فهي في حاجة لوجود صناعة أساسية تقوم عليها، ليتم البناء والتطوير والمنافسة من خلالها. وعدم توفر الأساس يجعل قدرة الاستراتيجية الصناعية في المنافسة والنمو أمرا صعبا.. ولعل من ضمن الصناعات الأساسية التي نحتاجها لبناء مختلف الصناعات في السوق السعودي هي صناعة سبك وتشكيل المعادن، والتي تُعَدُّ مدخلا أساسيا لمختلف السلع الكمالية بدءا من الثلاجة، وانتهاءً بالسيارة، ولو نظرنا لصناعة تشكيل وسبك المعادن، نجد أنها شبه غائبة ومنخفض انتشارها، وعند الحديث عنها تجد الكل يتحدث عن الحجم الكبير، والاستثمارات الضخمة لها، علاوةً على توفُّر العمالة الماهرة المدربة، وفِي الواقع، أكثر ما تحتاجه الصناعة، هو توفُّر المهارات والقدرات لدى العاملين في هذه الصناعة، ليستطيعوا بمرونة أن يستجيبوا للطلب، ويستطيعوا أن يُقدِّموا المنتجات اللازمة، وخاصة قطع الغيار ومكونات المصانع.

قبل فترة، قمتُ بزيارة مصنع يُنتج مكائن التغليف للمصانع الكبيرة، وتوقعت أن أدخل مصنع بمساحة ضخمة وإمكانيات كبيرة، وكانت المفاجأة أن المساحة ليست ضخمة، وفِي وسط المنطقة الصناعية، ويستمد معظم مدخلاته لإنتاج المكائن المعقدة والضخمة من مصانع سبك وتشكيل المعادن، والتي هي أيضا متخصصة، ولا تشغل مساحات كبيرة، ولا تعتمد على عمالة أو مساحات ضخمة، بل على المالك، وعادةً هو مهندس ميكانيكي أو مهندس إنتاج أو حتى فني في تخصُّص مُحدَّد.. لاشك أن عمل استراتيجية وبناء صناعة يحتاج وجود عمالة متخصصة تملك أدوات الإنتاج، وتتوفر لها المساحة اللازمة للإنتاج.. ويستلزم تضافر الجهود وتوفُّر الفُرص لا الوظائف والتوظيف، كما يحدث عندنا. الاستراتيجية لها أبعاد عديدة، ولكن الفكر والتوجه في أسواقنا لا زال بعيداً عن المواءمة مع الاستراتيجيات.. وحتى التوجه في التصنيع يقوم على أسس تختلف، ترتكز على الحجم الكبير إنتاجاً ومساحةً وتمويلاً، وليس التعاون والتعاضد والاستفادة من الآخر.

الاستراتيجية والتخطيط لبلدٍ تختلف كليةً عن نماذج الشركات تحتاج لأبنائها لكي يُخطِّطوا ويبنوا، ويكونوا جزءاً منها، ولكن نحن تعوّدنا على أساس أن كل شيء يتم على المفتاح، ونحتاج لمن يُرشدنا ويدلّنا في الدخول في الصناعة، في وقت أبناؤنا تعوَّدوا على التوظيف والبحث عّن الوظيفة، بعيداً عن البناء، وبالتالي لازال أمامنا الكثير، ومهما وفَّرت الدولة، فليس لديها عصا سحرية تُنتج ما تريد.. لأن الأساس -وهو العنصر البشري- اعتاد على اليد السفلى وعدم الرغبة في المبادرة.