في قديم الزمان كان إنسان البادية يرتحل من مكان لمكان طلبًا للماء والكلأ... ليشرب ويُطعِم حيوانه من الأخضر واليابس أحيانًا!

ويبدو أنّ قدر الإنسان ألا يتوقف عن الحركة والترحال حتى وإن وصلت أنابيب المياه للبيوت، واستغنى بالسوبرماركات عن طلب الكلأ والبحث عنه! فلماذا يرتحل إنسان اليوم؟

تصوروا أن الإجابة ربما لا علاقة لها بالأكل والبقاء على قيد الحياة!

بطبيعة الحال.. المتغيرات في الحياة كل يوم في تزايد، والأعمال متسارعة لكنك لست مضطرًا للانتقال من جهة لأخرى كل موسم من أجل العمل!

قد تستقر سنين في مكان واحد ورزقك مكفول لك.. ومع هذا قد يضطرك الحال لأن تنتقل أكثر من إنسان البادية الضعيف في وقته، وبمشقة أكثر وخسائر أعظم اليوم.. وأنت غارق في التمدّن والمدنية وكل وسائل الرفاهية!

لا يخسر الإنسان القديم كثيرًا إذا ارتحل سوى الجهد، والوقت غيرُ محسوب عليه كما هو حالنا اليوم، وطبيعة الحياة الاجتماعية وظروفها وقتها تستدعي منه الحركة والتعارف وكثيرًا من العادات الاجتماعية مما له علاقة بالتنقل من بيئة لأخرى كواجب الضيافة، وسِمات الشجاعة والكدّ وبقية مظاهر الرجولة.

وإنسان اليوم.. يخسر كثيرًا في تنقّله (وقتًا، ومالا، وعتادًا) حتى لا يستقر به المطاف - غالبا - سوى في حفرته الأخيرة... ولا يكاد يفيق على عرف ولا واجب، تدعمه في عزلته وغربته البيوت المصفحة.

يتنقل بحثًا عن المسكن فقط... ويتذكّر حال الإنسان القديم ومتعتَه حين عرف قدرَه، وتواءم معه... في حين يتخبّط إنسان اليوم بين تسهيلات عصرية، وكدّ يومي يحسب لانتقالاته بين عشية وضحاها ألف حساب.. بين رحمة صاحب العقار.. و(أمطار) الأرزاق والأعمال العصرية التي لا يعرف لها نوءًا ولا حسابًا!.