هل يكمنُ جوهر عملية التغيير والتطوير في شمولها وسرعتها والحسم فيما يتعلق بقوانينها وأنظمتها، بحيث يكون هذا شرطَ نجاحها الأكبر؟ وهل يمكن لما أسميناه في مقالٍ سابق بعملية (حرق المراحل)، في تغيير هيكلية النظامين الاقتصادي والثقافي والقوانين الحاكمة للعلاقات فيهما، أن تضع كثيراً من العصي في عجلات تلك العملية، بل أن تفرغها من مضمونها بشكلٍ كبير؟ حتى لو كان الحرقُ المذكور مرغوباً، نفسياً وعملياً، لدى شرائح كبرى في المجتمع صاحب العلاقة.

ثمة اعتقادٌ غالبٌ، وفق علم صناعة السياسات العامة وقواعده، بأن الإصرار على مثل تلك المسيرة، بالصفات المذكورة أعلاه، يمكن أن يكون مدخلاً لهزاتٍ اجتماعية واقتصادية غير محمودة، ويكون سبباً لظهور أسباب وعوامل تزعزع الاستقرار في المجتمعات المعنية.

يصدقُ هذا أكثر على المجتمعات ذات الخصوصية في ثقافتها وتاريخها وهويتها وتركيبتها الاجتماعية، كما هو الحال عليه في المملكة. حيث ترسخت على مدى عقود منظومةٌ فريدة، لاوجود لها في كل الدول العربية والإسلامية، نتج عنها واقعٌ متشابكٌ فيه الكثير من الكمون من جانب، والتحديات من جانبٍ آخر.

ولكن بالمقابل، إلى أي درجةٍ يمكن أن ينقلب (التأني) في عملية التغيير والتطوير تسويفاً وتأخيراً لايبدو له آخر؟ وإذا كانت المملكة تجنَّبت، بسياساتها المعروفة تاريخياً، عمليات حرق المراحل وكل ما يمكن له أن يقع، حقاً، تحت عنوان (الاستعجال)، وغلبَ عليها التدرجُ في التعامل مع الموضوع. ماهي الدروس المستفادة من تلك التجربة الطويلة؟

يمكن القول دون خوف من الوقوع في المبالغة إن هذه الأسئلة تتموضع في قلب عملية التغيير والتطوير التي تشغل السعودية فكرياً وعملياً وسياسياً وإعلامياً في هذه المرحلة من تاريخها.

بشفافيةٍ أكبر. يمكن الجزمُ بأن تلك الأسئلة، والإجابات المختلفة عليها، تمثل محوراً أساسياً من محاور (التدافع)، الخفي حيناً والمُعلنِ حيناً آخر، بين أطراف المجتمع المدني وشرائحه الكثيرة المتنوعة. بل إنها تشغل حيزاً كبيراً في أوساط صناعة القرار بحُكم كونها من أكثر القضايا حساسيةً وتعقيداً، وكون التوازنات المتعلقة بها الضمانةَ الكبرى لصوابية قرارات التغيير. وبالتالي، لانطلاق عمليات تطويرٍ وتغيير تضمن الاستقرار والسلم الأهلي في المجتمع. وهو بدوره ما سيكون أرضية النجاح الكبرى للأهداف المرجوة من تلك القرارات.

ونحن إذ نستعمل مصطلح (التدافع) فبهدف الإشارة إلى أن الحوار في هذه القضية بشكلٍ واضح ومحدد وصريح بين تلك الأطراف جميعاً لم يصل بعد إلى الدرجة المطلوبة من الشفافية.. فالواضح أن كل طرفٍ يحمل تصوراً، ولو أولياً، للإجابات المفترضة على تلك الأسئلة الأساسية، وأنه يعمل ويتحرك بناءً على ذلك التصور، دون أن يمارس نقلةً مطلوبةً في اتجاه إعلان رأيه ووضعه على طاولة الحوار الوطني بشكلٍ واضحٍ ومحدد..

وكما هو الحال مع مصطلح (الاستعجال) حين يُقال إن البعض يستعمله ضمن مقولة (كلمة حق يُراد بها باطل)، لتأخير أي تغييرٍ مهما كان ضرورياً ومُلحاً، فإن البعض يستعمل مصطلح (التأني والتدرج) أيضاً ضمن دلالات المقولة المذكورة.

لكن المفارقة التي يجب الوقوف عندها تتمثل في أن هذين الموقفين يُستعملان لواحدٍ أو أكثر من الأسباب التالية: الجهل وقلة المعرفة، المصالح الشخصية، الالتزام برؤيةٍ أيديولوجيةٍ معينة، أياً كانت.

باستخلاصٍ عام من تجارب الأمم والشعوب والحكومات في هذا العالم: لاتبدو ثمة وَجاهةٌ علمية في انقلابٍ جذريٍ شامل يُفرض على المجتمعات بالأنظمة والقوانين، اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، جملةً واحدة. فالعملية أعقدُ من ذلك بكثير، وتَبِعاتها في غاية الخطورة.

لكن هذا لايجب أن يكون، على الإطلاق، سبباً لاستمرار دعاوي ودعوات (التأني)، بمعانيها النظرية ومقتضياتها العملية التقليدية السكونية، لأن نتيجتها الوحيدة والمضمونة ستتمثل في تحنيط المجتمع، ودفعه للبقاء ليس فقط على هامش التاريخ، بل خارجه كلياً.

من هنا، يكمن المخرج الوحيد من هذا المأزق، مرةً أخرى، في تحرير تلك المفاهيم وتحرير مناطها ومجالات تطبيقها بشكل واضحٍ ومحدد، بدلاً من تركها هكذا هائمةً في فضاء عملية التغيير والتطوير كسيفٍ ذي حدّين. وإذا كان متعذراً حصول الأمر مرحلياً في إطارٍ من الحوار والتشاور مع أطراف المجتمع المدني بشكلٍ مؤسسي، فلا أقل من أن يجري الحوار الصريح في هذه القضايا عبر المؤسسات التقليدية ومن خلال القنوات والأطر الاجتماعية المألوفة. مع دورٍ حِرفيٍ مدروس للإعلام في هذا الإطار.

والمهم أن ينتج عن الحوار تصورٌ واضحٌ لحقيقة ما ينبغي التأني والتدرج فيه من ناحية، وحقيقة ما يجب حسمه والإسراع فيه من ناحيةٍ أخرى. سواء تعلق الأمر بقرارات اقتصادية، أو مسائل تتعلق بالهوية، أو غير ذلك من المسائل.

فهذه ممارسةٌ حضاريةٌ تليق أولاً برؤية مسيرة التطوير والتغيير. ثم إنها الأرضية التي يقف عليها بصلابة الإجماعُ والتوافق الوطني. وهي التي ستوقف كل ماله علاقة بعمليات خلط المفاهيم وخلط المراحل وخلط الموازنات وخلط الأوراق. مما يجري، بقصدٍ أو دون قصد، في مثل هذه الظروف. وهذه بمجملها الشروط التي ستفسح المجال واسعاً للخروج من استعصاءاتٍ تُشيع السلبية بين الجماهير، لأنها تُعيق العملية بأسرها. وهي الشروط التي ستفتح الباب واسعاً أمام الممارسات العملية والقرارات السياسية التي ستُظهر إيجابيات رؤية التطوير والتغيير على الأرض، واقعاً عملياً يعيشه الناس.