يحتاج الفوز في الانتخابات إلى مهارات ضرورية لابد أن يتمتع بها السياسي الذي يحملها معه بعد الفوز بالحكم من منطقة الوعود، الى منطقة المسؤوليات. أغلب الفائزين يغيرون مواقفهم، أو تغيرهم الظروف قسراً، فالقوى وموازينها، والمتغيرات وحساباتها، تحمل هؤلاء الساسة الكبار الى منطقة الاختيار بين التمسك بوعود فرضتها حملات الدعاية الانتخابية، وبين الانصياع لمؤسسات يستحيل على الرئيس أو الحاكم العمل بدونها.

هذا بالضبط ما حدث مع كثير من الرؤساء الأمريكيين ، الذين تعهدوا خلال حملاتهم الانتخابية - مثلاً- بنقل سفارة الولايات المتحدة في إسرائيل، من تل أبيب الى القدس، لكنهم جميعاً أمضوا فتراتهم الرئاسية في البيت الأبيض، يرجئون تنفيذ القرار الذي تعهدوا بتنفيذه.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قد يكون أكثر وأسرع الرؤساء الأمريكيين، إلى التراجع عن وعود بذلها أثناء حملته الرئاسية، أو سياسات تبناها بعد فوزه، أو حتى ترشيحات لشغل مواقع قيادية في إدارته وبين فريق معاونيه.إما بسبب تحديات فرضها عليه الكونجرس، أو ضغوط جماعات قوة، أو حسابات مصالح مع الداخل أو مع الخارج.

تراجع ترامب مؤخراً، عن رؤيته لمستقبل علاقة الولايات المتحدة مع أفغانستان، هو أحدث التراجعات الرئاسية في عهده، فهو قد عاد الى ما عاد إليه الأولون، منذ الغزو الأمريكي لأفغانستان عقب هجمات سبتمبر الإرهابية في نيويورك وواشنطن، فالقوات الأمريكية باقية دون انسحاب، مع خطط لزيادة أعدادها، مع لمسة خاصة تحمل بصمة ترامب وتتضمن تلويحاً بعقوبات ضد باكستان التي اتهمها ترامب بدعم عناصر من طالبان.

كنت أترقب بيان الرئيس الأمريكي ترامب بشأن إستراتيجيته تجاه أفغانستان، بعدما راهنت نفسي على أنه سيعود بالاضطرار لا الاختيار الى سياسات من سبقوه، وكنت أريد أن أربح الرهان مع نفسي وقد ربحته، وقد حملني الظفر بالرهان، الى منطقة التأمل في الثمن الذي يسدده السياسي من رصيده لدى الجماهير، كلما اصطدمت الوعود بالحقائق، أو كلما تضاربت الأقوال مع الأفعال.

المؤسسات في الحياة السياسية الأمريكية، أقوى بكثير من الحكام، مهما تمتعوا بالكاريزما أو بدعم الجماهير الغفيرة، وبرغم نظام رئاسي صارم، يعطي من السلطات والصلاحيات للرئيس ما لا يتمتع به سواه في أي نظام رئاسي آخر، إلا أن توازن السلطات مع الكونجرس والمحكمة العليا، يضبط إيقاع الرئيس ويجبره على العودة الى تلك المؤسسات، لكسبها أو لتحييد موقفها من سياسته على أقل تقدير.

حتى الان فإن المشهد في الولايات المتحدة، يشير الى رئيس تجاوزت سياساته المعلنة، حدود قدرته على تفعيلها على النحو الذي يريده، في مواجهة مؤسسات، بينها حزب ترامب نفسه « الجمهوري» وممثلوه بالكونجرس. خذ مثلاً قرار الكونجرس بشأن تعليق معونات عسكرية أمريكية لمصر، على خلفية اتهامات للقاهرة بانتهاك حقوق الإنسان، بينما تخوض مصر حرباً ضروساً ضد إرهاب داعش التي تقول أمريكا انها تقود تحالفاً دولياً ضدها في سوريا والعراق، فالقرار قد صدر على عكس العلاقة المباشرة بين ترامب والسيسي والتي وصفها ترامب ذاته بالكيمياء الشخصية المواتية.

أمريكا أهم بلد في العالم، وإدارة العلاقات معها بالغة التعقيد، لا تكفي فيها الدبلوماسية الشخصية المباشرة، أو الكيمياء المتجانسة، وعلى من يريدون التأثير في سياستها، أو تصحيح بوصلتها بما يحقق مصالحهم، أن يتحدثوا الى كافة المؤسسات المعنية، وجماعات الضغط، والرأي العام. أمريكا ليست بلد الباب الواحد، ففيها ألف باب، بعضها دوار.