بادرني التحيَّة بلغة عربيَّة سليمة بقوله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وهو يأخذ مقعده بجانبي في رحلة جدَّة - إسطنبول. دلَّت ملامح وجهه على أنَّه من أهالي الشرق الأقصى. أثنيت على نطقه اللغة العربيَّة الفصحى بسلاسة ويسر. فأجابني بأنَّ على كلِّ مسلم أن يتحلَّى بمكارم الأخلاق في معاملاته. لذا عليه أن يتقن اللغة العربيَّة ليتبحَّر في معاني القرآن الكريم. وأضاف: إنَّ في بلده ماليزيا العديد من مدارس القرآن الكريم، وهي في حد ذاتها مدارس اللغة العربيَّة. وتابع قائلًا: إنَّه في طريق عودته إلى كوالالمبور بعد أن أكرمه الله بأداء عمرة في شهر رمضان، ما يزال يأمل في أن تشمله في بلده قرعة حجَّاج هذه السنة أو السنوات المقبلة قبل وفاته، وقد جاوز السبعين من العمر، والأعمار بيد الله. توقَّف قليلًا عن الكلام لغصَّة في حلقه ودمعة في عينيه، وتحدَّث مقارنًا بين آية الصوم: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ» وهذا في نظره، يعني صيام أيَّام شهر متتالية، وبين آية الحج: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ». والأشهر المعلومات عند العرب قبل البعثة النبويَّة الشريفة هي: ذو القعدة، ذو الحجَّة، محرَّم، ورجب. وهناك من بين فقهاء اللغة العربيَّة في بلده من يرى أنَّ الحجَّ ليس في يوم واحد؛ التاسع من ذي الحجَّة! فإذا كان الحجُّ عرفة، وهو يوم محدَّد. فهذا اليوم هو أيُّ يوم من الأشهر الحُرَم. لأنَّ ذي الحجة من الأشهر الحرم. والتاسع من ذي الحجَّة، كان يوم عرفة قبل البعثة. وكان صعيد عرفات يتَّسع لعشرات الألوف من الحجَّاج. أمَّا الآن، فعدد الراغبين في أداء فريضة الحجَّ هو بالملايين إن لم يكن بعشراتها. وصعيد عرفة الآن يكاد لا يتَّسع إلَّا لأقلَّ من ثلاثة ملايين حاجّ وحاجَّة. وهذا ما دفع بالمملكة لتقنين عدد الحجَّاج من كلِّ دولة إسلاميَّة. ومع أنَّ الأشهر المعلومات تعني 119 يومًا، فكلُّ يوم منها يوم عرفة. ومناسك الحجِّ تتمُّ في أيَّام معدودات؛ يوم عرفة ويوم النحر وأيَّام التشريق. فلو تمَّ الأخذ بوجهة النظر هذه، لتمكَّن كلُّ راغب في الحجِّ من أداء فريضته.

تمنَّى جليسي في مقعد الطائرة في نهاية حديثه، أن تعقد المنظَّمات الإِسلاميَّة ودور الفتوى وفقهاء اللغة العربيَّة من البلدان الإسلاميَّة كافَّة مؤتمرًا مفتوحًا لمناقشة الآراء في يوم عرفة، وما إذا كان بالإمكان أن يكون في أيٍّ من أيَّام الأشهر الحرم!

اقتربت دقائق هبوط الطائرة في مطار إسطنبول، وأنا مستمع معجب لقدرته على الحديث بلغة عربيَّة سليمة يعجز عن مجاراته النطق بها غالبيَّتنا من العرب. وهذا بفضل من الله الذي أنزل قرآنه الكريم على نبيِّنا العربي محمَّد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام باللغة العربيَّة ليهدي البشريَّة للتي هي أقوم.

تواعدنا على أمل لقاء قادم في صعيد عرفات.