كم محزن ومؤلم وداعٍ للتساؤل أن نرى بعض شبابنا في عمر الزهور، وغالبيَّتهم ما تزال في مرحلة المراهقة، وقد جرفهم تيَّار الفوضى الهدَّامة، وألقاهم في حضن "داعش" التي تتبَّنى ظاهريًّا شعارًا إسلاميًّا يدعو لإحياء الخلافة، وتعمل في الباطن على هدم قيم الإسلام، والتنكُّر لمكارم الأخلاق التي أنعم ربَّنا الخالق على رسولنا الكريم محمَّد بن عبد الله بإتمامها، لتكون نهج حياة كريمة تجمع الناس على التقوى والمحبَّة والإخاء مهما تعدَّدت أصولهم ومذاهبهم ومعتقداتهم.

شباب تلتقطهم تنظيمات داعش وتخضعهم لعمليَّات غسيل مخٍّ، وتجعلهم يتقبَّلون دون نقاش الإقدام على القتل حبًّا بجنَّة الخلد، وما فيها من حور عين تفنَّن في وصف مفاتنهنَّ عدد من دعاة الفكر الضالِّ الذين يظهرون على شاشات الفضائيَّات وقنوات التواصل الاجتماعي دون حسيب أو رقيب يعدِّدون جمال الحوريَّات ومفاتنهنَّ، ومن حولهنَّ من الوصيفات.

ولتشويق هؤلاء الفتية في الوصول إلى "متع الجنَّة" الموعودة، فقد غرس شيوخ الفكر الضال والمضلِّل في عقول هؤلاء الفتية رؤيتهم للآخرين من البشر الذين هم على غير فكرهم ومذهبهم، كفرةً يحلُّ قتلهم وسفك دمائهم، أيًّا كانت أصولهم وعقائدهم وجنسيَّاتهم، لا بل وحتى لو كانوا من أقرب الأقربين إليهم؛ كالأب والأم والأخ والزوج والزوجة، لما في ذلك القتل "الفدائي"! من أجر وثواب يقرِّبهم من الله ومن دخول جنَّاته والتمتُّع بالحور العين ووصيفاتهنَّ!.

التساؤل الذي نطرحه جميعنا على علمائنا وعلى جهابذة التربية والتعليم من واضعي المناهج الدراسيَّة، وعلى أساطين علم النفس وأطبَّاء الأسرة: على من تقع مسؤوليَّة اندفاع هؤلاء الشباب، وهم في مقتبل العمر، وتركهم مقاعد الدراسة، وغالبيَّتهم من مجتمعات فقيرة في أمسِّ الحاجة لتحسين أوضاعها المعيشيَّة باستثمارهم أبناءهم وبناتهم في التحصيل العلمي بعد اتمامهم الدراسة، فيتمكَّنون بما يوفِّر لهم دخلهم من نقلهم من مرحلة الفقر والعوز إلى مرحلة العيش الكريم، كأقرانهم في كلِّ دول العالم. ويتيح للمراهقين منهم، وقد دخلوا مرحلة النضج والشباب، بناء أسر تغنيهم عن الخيال والحلم بالمحظيَّات والحور العين!

كم يكون مفيدًا أن يلقى هذا التساؤل الاهتمام ، فيدرج في مقدِّمة أوَّليات خطط التنمية في البلدان العربيَّة، لتنقية مجتمعاتنا من شوائب جهل العقيدة وطغيان تجَّار الطائفيَّة والمذهبيَّة، ولإغلاق صفحة "حسن الصبَّاح" الذي روَّج للقتل والاغتيال قبل ألف عام، مغريًا الشبَّان المراهقين لاقتراف عمليَّات القتل واغتيال معارضيه بغية الوصول إلى الحكم، تحت مسمَّى "الاستشهاد" وقد أمَّلهم بدخول جنَّة فيها كلُّ مغريات المتع التي حرموا منها في حياتهم الدنيا! وقرَّب لهم وصف الجنة الموعودة بما رتَّبه في قلعة الموت من ماء وخضرة وحور عين ووصيفات حسان! وكان يرسل إلى هذه "القلعة الجنَّة" من اختارهم من الفتيان لارتكاب عمليَّات تصفية خصومه السياسيِّين. وسهَّل عليهم تلك المغامرة وحبَّ الموت بإدمانهم على تعاطي مخدِّر الحشيش. وسمِّيت جماعته بالحشاشَّين. وما تزال الفرق الضَّالة منذ ذلك التاريخ حتَّى زماننا الحاضر تروِّج لمخدِّر الحشيش زراعةً وتجارة وتعاطيًا وإدمانًا من أجل هدم القيم والأخلاق، ليتمكَّنوا من حكم بلدانهم في مجتمع يقضي على عقلائه ومفكِّريه.