* كان ولا يزال (البحث العلمي) من أهم أسباب تطور الدول، وصِنَاعَة المجتمعات والحضارات، وتزداد أهميته في عالمنا اليوم؛ لما أنه الوحيد القادر على دراسة الماضي وتحليل تفاصيله، بما يساعد على فهم الواقع والتعايش معه، ولأنه فَاعِل جدًا في تشخيص مشكلات المجتمع المختلفة سواء كانت (فكرية، أو تعليمية أو اقتصادية أو بيئية أو صحية....)، والسعي لمعالجتها بأساليب مبتكرة وناجحة.

* (والبحث العلمي الصادق)، هو القادر وحده على قراءة الحاضر، ومن ثَمّ استشراف المستقبل طلبًا للتنمية المستدامة التي تضمن رفاهية الإنسان؛ وهو سبب ما نعيشه من ثورة صناعية وتقنية في مختلف القطاعات والساحات.

* ولذا فقد أصبح سلاحًا تتسابق الدول الكبرى لامتلاكه، وعليه تنفق المليارات من الناتج القومي، بنسبة تصل إلى (2.9% في ألمانيا، و3.4% في اليابان، و4,5%

في إسرائيل).

* ولو نظرنا لعالمنا العربي فسنجد ضعفًا عامًا في الاهتمام بـ(البحث العلمي)؛ حيث يفتقد للدعم المعنوي والإداري، وكذا المادي، فنسبة الإنفاق عليه لا تتجاوز (0,1%

) من الناتج المحلي أو القومي.

* (والسعودية) تدور في فلك محيطها العَربي؛ فرغم أن فيها أكثر من (120 مركزًا بحثيًا) أغلبها عَمَادَات في الجامعات، ورغم ما يظهر من انتشار إنشاء الكراسي العلمية البحثية خلال السنوات الماضي حتى إنها تجاوزت الـ(100 في بعض الجامعات) إلا أن الحقيقة صَادِمَة.

* فالإنفاق على تلك المراكز والكراسي محدود جدًا، ومعدوم أحيانًا، بل ما يؤسف له أن طائفة من الكراسي العلمية ما هي إلا حبر على ورق، فلا أثر لها، فالدّاعِم المُفْترض لها أخذ الوهَج الإعلامي عند الإعلان عن الصندوق، ثم غادر، وهناك جامعات أوقفت تمامًا دعمها المالي للكراسي والمراكز البحثية وأغلقت أبوابها، وسَرّحت لجانها العلمية.

* جانب آخر مؤلم من واقع (البحث العلمي) عندنا وهو إهمال مخرجاته، فالكثير من الدارسات والأبحاث والمؤتمرات والندوات التي تمسّ المجتمع بقيت توصياتها حبيسة الأدراج، فلم تخرج للنور ولم تتم الإفادة منها في ميدان التطبيق.

* أخيرًا وطننا يشهد حِراكًا نحو (الأفضل) في شتى المجالات، وهذا ما بشّر به التحول الوطني 2020م، ورؤية 2030م، (والبحث العلمي) ركن أساس في الوصول لتلك الطموحات، فلابد من (فتْح صندوقه الأسود) الذي يكتنفه الغموض، ودعمه ماليًا، ولوجستيًا، بما يجعله خادمًا لقضايا المجتمع وصانعًا للمستقبل، مع تحفيز القطاع الخاص للاستثمار في هذا المجال.