بحمد الله وفضله وكرمه، حقَّق موسم حج هذا العام نجاحًا غير مسبوق. فالتخطيط المهني في ضوء مراجعة ما شاب المواسم الماضية من حوادث مقلقة، في مقدَّمتها التدافع عند رمي الجمرات، وسقوط مبان سكنيَّة متهالكة، كان محفِّزًا لواضعي خطَّة حج هذا العام، واضعين من أولويَّات خطتهم تجنُّب ما شاب المواسم الماضية من أحداث مفجعة. وقد صاحب تطبيق الخطَّة انضباط القائمين على تطبيقها والتزامهم وتنفيذها بدقَّة وحزم. وهدفت الخطَّة إلى انتشار الألوف من المكلَّفين بالسهر على راحة ضيوف الرحمن، وتأمين أمنهم وأمانهم، وإرشاد الحجَّاج متعدِّدي العروق واللغات واللهجات، وتسهيل تنقُّلاتهم، واختيار مقار إقامتهم. كلُّ ذلك، إضافة إلى فريق عمل لكشف اختراقات الخطَّة المعتمدة، والحيلولة دون دخول أيَّ شخص غير حاصل على تأشيرة حج سليمة المشاعر المقدَّسة، ومن لا يحملون تصريح حجِّ لهذا العام من مواطني المملكة ومن المقيمين داخلها. إضافة للخدمات الصحيَّة المقدَّمة بسخاء وحرفيَّة مهنيَّة لضيوف الرحمن من أطبَّاء وممرِّضين وممرِّضات ومراكز إسعاف وعيادات طوارئ ومستشفيات مجهَّزة لإجراء العمليَّات البسيطة والمعقَّدة. وتعامل الأجهزة المعنية بالحج كافَّة مع ضيوف الرحمن بوجوه مبتسمة، واستجابتهم لتلبية متطلَّبات الحجَّاج وتقديم الإرشادات.

كلُّ ما تقدَّم والكثير غيره، كان العامل الأساس لإنجاح موسم هذا العام، وموضع إشادة وتقدير المتابعين لحركة سير الحجاج مع تعدُّد جنسيَّاتهم. لا شكَّ أنَّ هذا أكبر وسام زيِّن صدر خادم الحرمين الشريفين، وكلَّ من اعتمدهم حفظه الله لتأمين راحة الحجَّاج وسلامتهم.

في الوقت ذاته، هو ردٌّ على دعاة الفتن والحسَّاد من المتقوِّلين بأنَّ المسلمين فوضويُّون غير منضبطين إلَّا داخل مساجدهم وهم يؤدُّون فروض صلواتهم خلف الإمام. وحالما تنقضي الصلاة يتدافعون بالخروج من المسجد، وكلٌّ يبحث عن حذائه الذي رماه قرب باب المسجد فاختلط بأحذية الآخرين. وكذلك عن حركة سيَّاراتهم المتشابكة فيما بينها وهم يتسابقون إليها. ويُرى من بداخلها يحثُّ سائقه على تجاوز السيَّارات الأخرى كأنَّ الكلَّ شارد من قرب وقوع حادث رهيب. وربَّما يتبادل بعضهم مع السائقين الذين لم يفسحوا لهم الطريق كلمات نابية أو إشارات غير مهذبَّه، متناسين وصف المولى لعباده المتَّقين بقوله جلَّ وعلا: «وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا.»

والمشي على الأرض كسير المركبات. وهنا تكمن الضرورة الملحَّة لنشر ثقافة مكارم الأخلاق كما جاءت في السيرة النبويَّة الشريفة. بَدءًا من البيت فالمدرسة، فالحيِّ وأماكن العمل، وحركة سير المركبات، وأماكن وقوفها. لذا، يجب وضع خطط عمليَّة وعلميَّة لتحقيق الغاية المنشودة من ترميم مجتمعاتنا الإسلاميَّة التي انشغل معظم أفرادها بالقشور وتوافه الأمور، وتخلو بجهل واستهتار عمَّا يميَّز عقيدتنا السمحاء من مبادئ وأخلاق نزهو بها على غيرنا من الأمم والشعوب. ولنا في الشعب الياباني وتقيًّده بتراث آبائه وأجداده خير مثال.