ما زالت دقات قلبي الصغير تتردد في مسامعي مع بداية كل عام دراسي جديد يخفق حبًا واحترامًا وتقديرًا لمعلمتي التي كانت خطوات أقدامها خلفي تسير في ممرات المدرسة، كنت انتظر نظرة الرضا في عينبها ونظرة التقدير التي جعلت مني إنسانة تثق بقدراتها وتستثمر طاقاتها. كانت دقات قلبي تقول لي هذه المعلمة أو المديرة لها من الهيبة والمكانة الشيء الكثير كنت أبوح لها في غرفة الإذاعة بشيء من مشاعري ومخاوفي ورهبة الوقوف أمام الطوابير وإذ بها تعزز ثقتي بنفسي حتى إذا ما ضاعت رهبة الوقوف الأول تمكنت من لغتي وإمساكي للورق وربما الارتجال في أحيان كثيرة حتى في الحفلات المدرسية والمسابقات المحلية على مستوى المنطقة.

عندما أصبحت معلمة عرفت معنى الحب والاحترام بيني وبين طالباتي اللاتي مازلن يتواصلن معي رغم أنني تركت التدريس من ستة عشر عامًا تقريبًا لانتقل للعمل الإشرافي، كما أتواصل مع معلماتي اللاتي فارقتهن من ثلاثين عامًا، هكذا الدنيا تعلمنا كما تدين تدان وما تزرعه اليوم تحصده غدًا وما زرعته بالأمس فستتذوق طيب الطعم اليوم وتجني ثمار غرسك لا محالة.

هنيئًا لك يامعلم الناس الخير في مدارسنا وبين الفصول والممرات والطوابير والفناء الخارجي، قصص وروايات لا يعرف أسرارها إلا من امتهن هذه المهنة الشريفة، فهناك أسرار لا يمكن البوح بها فنحن مربون لا معلمون فقط، لن ينظر علينا منظِّر لم يمارس العمل في الميدان، فكروا قليلًا يا من تكيلون التهم جزافًا وقذفًا شنيعًا بحق المعلم كيف تتحملون أطفالكم في بيوتكم والذين لا يتجاوز عددهم الاربعة بينما نحن المعلمون نتحمل الأربعين وفوق في الفصل الواحد على مدار اليوم وقد يبلغ عدد الطلاب والطالبات في المدرسة ما يقارب الألف طالب.

هل تعون حقًا حجم الأمانة والمسؤولية التي تقع على عاتق كل الكادر الإداري والتعليمي والإشرافي على هذا العدد الكبير في بيئات عمل ليست نموذجية إطلاقًا في ظل التهكم والسخرية أحيانًا والهجوم القاتل أحيانًا وقلة التقدير والاحترام أحيانًا أخرى، بل وبالتطاول على المعلم من قبل بعض الطلاب وأولياء الأمور في بعض الأحيان، ناهيك عن حقوق للمعلم والمعلمة لم يحصل عليها وسنوات البند ليست منا ببعيد والتي لم تحتسب لهن سنوات الخدمة ولا درجات وظيفية رغم عناء السفر والترحال والتنقل البعيد وعدم الاستقرار الأسري كل هذا لم يؤخذ في الحسبان، وعدم المساواة مع المعلمين المعينين في نفس العام وأن من تم تعيينهم لاحقًا أصبحت سنواتهم محفوظة وحقوقهم المالية مكتملة كل هذه الضغوطات وأكثر ومعشر المعلمين والمعلمات صامدون نذروا أنفسهم لخدمة الدين والوطن ويؤمنون بعظم الأمانة، وأن التعليم رسالة لكن لن نرضى بمن يشكك في مهنيتنا ولا أمانتنا ولا أخلاقنا. مجتمع يوجد فيه من يقلل من شأن المعلم لابد أن يحاسب ويحاكم فيه من ثبت عليه التلفظ بما لا يليق بمربي الأجيال فإن ضاعت قيمة العلم وأهله ضاعت المجتمعات.

اتقوا الله فيمن يتحملون بناء جيل المستقبل دعونا نقبل على عام دراسي ونحن متفائلون بمنجز متميز يحمل رؤية مستقبلية مشرقة ولنطالب بمزيد من المزايا وإعادة الحقوق والمستحقات لمن خدموا التعليم أكثر من عشرين عامًا ولم تحسب لهم في سجلهم الوظيفي وغدًا بإذن الله أجمل في ظل قيادة حكيمة تعطي كل ذي حق حقه وعام دراسي جديد حافل بالإنجازات الوطنية الكبرى.