وانهمر موج النقاء سالكًا دربه على سفوح الرحمات، مستظلًا بظل غمائم المغفرات، يهدر بصوت واحد واضح يلامس أعلى طبقات السماوات (لبيك اللهم لبيك)، وكما يغسل الصوت الصاعد من قلوبهم شوائب سرائرهم، فهو يصفّي كل روح مر بها أو لحقت صداه لتدرك شيئًا من بركته، وتمطر السماء مزيدًا من البركات لتعود من حيث خرجت في صدور المنادين، وتنبت شجرتها المضيئة بنور الله لتزهر إيمانًا جديدًا كلبس يوم العيد.

(لبيك اللهم لبيك) نداء ذابت في حقيقته الأصوات، واتحدت في سحره الأعراق، وانهدمت لصدقه الأهواء، وانصهرت في كينونته كل الكيانات فصار الكيان هنا واحدًا، إنه الإسلام، الإسلام الذي يجب أن يُخرجهم من هنا رجلًا واحدًا بقلب واحد اتجاهه واحد هي القبلة، مطلوبه واحد هو الله الأحد الفرد الصمد.

يا رب ألهمهم السر، أرسل إليهم من يخبرهم لعلهم يعرفون أن النفس بقدر ما تخففت من أثقالها ارتفعت بداخلها طيور الرحمة على إخوانها، وكلما حلَّقتْ أعلى وأسمى أزاحت عن ظهر الأرض آكامًا من الكراهية والأحقاد.

هذا هو الحج.. رسالة سلام واجتماع ومحبة.. إنه ليس عبادة فردية فحسب، بل هو عبادة أممية، ولو لم ترجع الأمة في آخره مُحققة مقاصده العليا فما أدته حق أدائه ووجب عليها إصلاح ما أبعدها عن تحقيق هدفه.

فيا إلهي.. اجعل حج هذا العام ختامًا لمآسينا مُنطلقًا لتوحدنا ومَبعثًا لقوتنا وبابًا لانتصارنا إنك على كل شيء قدير.