منذ بدء الخليقة اصطدم البشر بأهوال الطبيعة من أعاصير وفيضانات وزلازل وبراكين، ووقفوا أمامها مرعوبين وغير قادرين على إدراك ماهيتها أو أسبابها. كان الخيال البدئي لهؤلاء الأولين يأخذهم فطريًا إلى السماء، ولم يجدوا تفسيرًا يهدئ من روعهم سوى أن الآلهة غاضبة عليهم، لذا كان عليهم تهدئة آلهة النار والهواء والماء وتقديم الأضاحي لها، حتى أنهم ألقوا بأجساد البشر أحياء في فوهات البراكين، وبالعذارى الجميلات إلى سيول الأنهار الفائضة.

ولقد توارثنا هذا الخوف القاتل من غضبات الطبيعة على مر العصور، وربطناها في أعماق لا وعْينا الجمعي بالعقوبات التي تحل علينا من السماء. وبعد رسالات التوحيد التي اختص الله بها عباده وأنار بها قلوبهم بالحق، فهم الانسان أن الماء والهواء والنار هي من آيات الله سبحانه وتعالى، وأنها جنوده التي يسخرها لرحمة الناس، فهي شرابهم وأنفاسهم ودفئهم، وهي مكونات أساسية لعيشهم على هذه الأرض.

كذلك عرف الانسان من الكتب المقدسة أن الله سبحانه وتعالى قد أرسل جنوده تلك كسخط وغضب على أقوام كفروا بنعمه، وأصروا على الجحود والنكران، فكانت نهايتهم وزوالهم. كانت تلك القصص الواردة في الكتب المقدسة بمثابة إنذار للناس، وتذكير بقدرة الله عليهم، وبأنه الرب الأعظم الذي يستطيع أن يمحق ويمحو أقوامًا من الوجود بالماء والهواء والنار في لحظات.

بقي الخوف من تقلبات الطبيعة متأصلًا في تكويننا البيولوجي، ليس فقط بما نشاهد أمامنا، أو بما قرأنا وسمعنا قديمًا، بل بما سيكون أيضًا، فكثرة الكوارث الطبيعية من علامات الساعة، وكثير من الناس يهابون شدة الرياح وارتفاع منسوب المياه خشية اقتراب نهاية العالم.

واليوم، حتى بعد أن تقدم بنا العلم إلى آفاق واسعة، وتوصل إلى المعرفة بمواعيد، وأسباب تغيرات الأجواء، ومدى الضرر الذي ستحدثه، وكيفية التعامل معها، إلا أن الخوف الكامن في قلوبنا لا زال هو المحرّك الرئيس لبحثنا عن تبريرات، وبالتالي محاولة التخلص من الآثام أو الذنوب التي جلبت هذه الأهوال. بعد مرور هارفي على تكساس، تحدث القس الأمريكي كيفن سوانسن معلقًا على الحدث: «إن العواصف تحاكم مدينة هيوستن لقبولها بقوانين مدنية تحمي حقوق المثليين»، ورأى غيره أن مدينة هيوستن تدفع ثمن انتخابها للسيدة المثلية آنيس باركر كعمدة من 2010 إلى 2016.

أما على الصعيد السياسي فقد تحدث المُحرّضين ضد الرئيس دونالد ترامب عن غضب السماء من توليه الرئاسة في أمريكا. وقد استغل خبراء الأرصاد الجوية وبعض السياسيين خاصة في أوروبا، هذه الكارثة لتوجيه اللوم الشديد لترامب على نقضه اتفاقية باريس الخاصة بدعم برامج الحد من مخاطر الاحتباس الحراري وما يسببه من تغيرات مناخية كبرى. ثم يأتي ذلك الفريق الذي يروّج لتدخل الحكومة في الأجواء ونشر الغازات التي تسبب خللًا في التوازن الطبيعي، وتؤدي إلى زيادة الأمطار وسرعة الرياح.

ويبدو أن التوصل إلى علم الأسباب وإدراك مُسيّرات سنن الطبيعة، لم ينجح في إزالة الخوف وما يتبعه من تبريرات. ومن المُسلّم به أن آيات الله تعالى، في تجلياتها الهائلة، تُخضع القلوب اللاهية، وتـُذكّرها بعظمة الخالق وقدرته، لذا فإن التسبيح والدعاء ينهمر على ألسنة الناس استجلابًا للرحمة واللطف الإلهي بعباده الضعفاء. لكن الشماتة، والدعاء بالويل والثبور على الناس، حتى وإن كانوا على غير معتقدنا، أو كانوا في دول قد استكبرت وظلمت، يبقى أمرًا مستغربًا. إن عباد الله في هذا الكون، هم عباده وحده، وهو وحده أدرى أين يوجّه جنوده ولأي غرض، ولا يمكننا أن نتأله وندّعي أن الآثار التدميرية للكوارث الطبيعية يستحقها غيرنا كعقوبة من الله وانتقام لنا، بينما إن حلّت بنا، فسرناها بأنها ابتلاء لنا، واختبار لقوة إيماننا.