العمى أنواع، ولكن أشهرها هو عمى البصر وعمى البصيرة، وعندما يعمى البصر فإن الإنسان يفقد قدرة عينيه على رؤية الأشياء، فلا يعد قادرًا على مشاهدة ما هو أمامه، لكن قلبه يبقى حيًا، فيمكنه تمييز بعض الأمور، أما البصيرة فهي البيّنة ونور القلب وقوة الحجة والفصاحة والبيان، وعندما تعمى البصيرة، فهذا يعني أنه قد طُمس على القلب، فأصبح الإنسان يرى الحق باطلًا والباطل حقًا، فمهما كانت قوة بصره، فإن بصيرته عمياء قد غلب عليها الوهم، وأصبحت الصورة أمامهم خادعة كالسراب، تبدو وكأنها حقيقية، ولكن عندما تقرب منها لتتأكد من صحتها تكون وهمًا خادعًا.

مؤخرًا وفي افتتاح أعمال الدورة الـ 148 العادية لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية، استفز وزير الدولة للشؤون الخارجية القطري سلطان المريخي دول المقاطعة الأربع مبررًا علاقات بلاده بإيران قائلًا إنها: «دولة شريفة»، ولا أعتقد أن هذا الوصف لإيران استفز هذه الدول الأربع فقط، بل أعتقد أنه استفز معظم دول العالم، فالجميع يعرف من هي إيران، والجميع يعرف ماذا تفعل إيران في المنطقة، والجميع يعرف ما هي جرائم إيران والمذابح التي ترتكبها إما بشكل مباشر أو من خلال عملائها في المنطقة وحول العالم، والجميع يعرف ماذا فعلت إيران في سوريا ولبنان والبحرين والعراق واليمن، ثم بعد هذا كله توصف إيران بأنها (دولة شريفة).

لم يتمكن سفير السعودية لدى مصر ومندوبها لدى جامعة الدول العربية من السكوت إزاء هذا الوصف الذي يُؤكِّد عمى البصر والبصيرة، إذ علق قائلًا: «يقول مندوب قطر إن إيران دولة شريفة! والله هذه أضحوكة! إيران التي تتآمر على دول الخليج.. التي لها شبكات جاسوسية في البحرين والكويت أصبحت دولة شريفة.. التي تحرق سفارة السعودية.. هذا هو المنهج القطري التي دأبت عليه». وأضاف: «هنيئًا لكم إيران، وإن شاء الله عما قريب سوف تندمون على ذلك».

كيف بلغ عمى البصيرة لدى هؤلاء إلى هذا المستوى حتى يتم وصف إيران بأنها أصبحت (دولة شريفة)؟ كيف تغيَّر معنى الشرف عند هؤلاء، وأصبح يُطلق على مَن يتبنى الإرهاب والإجرام والقتل وإثارة الفتن والقلاقل ونشر الجواسيس وتهديد أمن الدول وسفك دماء الأبرياء حول العالم.

عندما تعمى البصيرة فمن الطبيعي أن يصبح العدو صديقًا والصديق عدوًا، والحق باطلًا والباطل حقًا، والشريف خائنًا والخائن شريفًا، عندما تعمى البصيرة تنقلب الموازين رأسًا على عقب فتصبح إيران (دولة شريفة).