هل من الممكن فهم حقيقة ما يجري في ميانمار، وكوريا الشمالية، والشرق الأوسط الكبير، من أفغانستان وحتى مالي، دون فهم دوافع، ومواقف، ومشروعات، قوى عظمى وأخرى كبرى، تتنافس من أجل تعزيز مكاسبها، أو تعويض خسائرها، في مواجهات مازالت ممتدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قبل أكثر من سبعين عامًا؟.

أتحدَّى من يزعم القدرة على معرفة الحقيقة، وفهم ما يجري بعيدًا عن صراعات القوى الكبرى، ومنافسات القوى العظمى.

فهؤلاء العظام، هم مَن وضعوا قواعد لعبة الصراع الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهم مَن يُديرون المشاهد في الصراعات الإقليمية، مستخدمين كل أدوات السيطرة، من التكنولوجيا، إلى السلاح، إلى الطاقة، إلى المال.

مدى الرؤية، هو مَن يصنع الفارق بين أمم تقود وتسود، وبين أمم تُقاد وتُباد، فالأولى ترى الخارطة بعين الصقر، والثانية تراها بعين الدودة.. الأولى ترى الخارطة بنظرة طائر، والثانية تراها بنظرة زاحف.

الذين يَرَوْن العالم بنظرة طائر، يستطيعون استكشاف فرص استثمار أزمة مسلمي الروهينجا في ميانمار، لصالح تعطيل مشروع صيني عملاق يختصر خطوط الطاقة عبر ميانمار إلى الصين، ويمكنهم استكشاف فرص تجييش المشاعر الدينية في معارك لا علاقة للأديان بغاياتها الحقيقية، تمامًا مثل تجييش حالة الجهاد الإسلامي في أفغانستان أواخر سبعينيات القرن الماضي، بهدف تقويض قدرات الاتحاد السوفييتي واستنزافه لحساب الولايات المتحدة، كما اعترف لاحقًا، زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر.

بريجنسكي الذي رحل قبل شهور فقط، اعترف في مقابلة صحافية بمسؤولية المخابرات المركزية الأمريكية عن تأسيس وتأهيل وتدريب جماعات إسلامية مسلحة، بدعوى الجهاد لنصرة الإسلام ضد الشيوعية في أفغانستان، بل إنه اعتبر أن مسؤولية تنظيم القاعدة عن هجمات سبتمبر في نيويورك وواشنطن، لا تقلل أبدًا من حجم مكاسب واشنطن من نشاط القاعدة في أفغانستان، وقال لمحدثه: إن كل التضحيات تهون أمام إنجاز انهيار الامبراطورية السوفيتية.

وما زلت أذكر، ما أعقب انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، من محاولات لتفكيك روسيا ذاتها، بلغت ذروتها بالحرب في الشيشان، التي قام البعض بحسن نية، بتبنِّيها والترويج لها، بدعوى رفع الظلم عن أخوة لنا في الدين يتعرضون للاضطهاد، وأذكر أن إعلاميًا زميلًا كان يعمل رئيس تحرير لمطبوعة عربية، حوَّل صحيفته في عام ١٩٩٣ إلى منبر جهادي للشيشان، حتى إن أخبار الشيشان ظلت مانشيتًا يوميًا لجريدته على مدى أسابيع.

بريجنسكي اعترف أيضًا بأن حروب القوقاز (وبينها الشيشان وانجوشيا) كان هدفها تفكيك روسيا، واتهم إدارات أمريكية لاحقة، بالتفريط في فرصة إستراتيجية هائلة، كان استثمارها كفيلًا بتغيير خارطة العالم كله. فهل كان الإعلامي الزميل يعرف لحساب مَن تعمل حملته؟!.. وهل كان يعرف مآلات تفكيك روسيا على منطقة الشرق الأوسط وعلى سلامة الأوطان فيها؟!.

كنت أظنه لا يعرف، وكنت أتصور أن عاطفته الدينية، ربما هزمت وعيه، وألجمت عقله، لكن كتاباته وانحيازاته بعد ما يُسمَّى بالربيع العربي، كشفت أن الرجل كان ضالعًا بوعي، في عملية كانت تستهدف تفكيك الوعي العام، وتسهيل السقوط أمام تيارات الإسلام السياسي.

لقد جرى تجييش المشاعر الدينية والطائفية، لتقويض مجتمعاتنا، وتفكيك وحدة دولها، وإلا فليقل لي دعاة الجهاد لإقامة ما يزعمون أنه الدولة الإسلامية، ما علاقة قتل المسلمين بدعوى إقامة الدولة الإسلامية؟!.. وما علاقة استهداف مؤسسات القوة (الجيش والشرطة) في دول مسلمة، بدعوى نصرة الإسلام؟!.. وما علاقة استهداف أبرياء في ألمانيا وبلجيكا وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا والولايات المتحدة، بدعوى إقامة الدولة الإسلامية؟!.

عن أي إسلام وعن أية دولة يتحدث هؤلاء؟!.. لحساب مَن يعملون؟!.. مَن المستفيد في النهاية من حروب في منطقتنا ترفع شعارات طائفية أو عرقية؟!.

لا تُحدِّثوني عن مؤامرة تستهدفنا كعرب ومسلمين.. لا تقولوا لي إننا ضحايا الغرب العنصري الكافر.. فالمؤامرة جزء لا يتجزأ من لعبة السياسة.. قولوا لي ماذا فعلتم حتى لا تكونوا مادة للمؤامرة، وتكون أوطانكم مسرحًا لعمليات المتآمرين؟!.

بالوعي وحده، يمكن إحباط كل المؤامرات، لكن امتلاك الوعي يقتضي امتلاك أدوات الحصول عليه، من تقنيات اتصال متطورة، ومن أقمار اصطناعية، نصنعها نحن، ونطلقها نحن، ونديرها نحن.

امتلاك أدوات الوعي، يحتاج إلى ثورة علمية ومعرفية، لن تبلغ غاياتها، قبل أن يتحرر البحث العلمي عندنا من الخرافة، وقبل أن نتحرر نحن من أسر الماضي، فننقل التاريخ من غرفة المعيشة إلى القبو، وننقل المعرفة من غرفة الأساطير إلى غرفة المعيشة.

بدون امتلاك أدوات الوعي، لن نمتلك أبدًا رؤية طائر، وسنظل نرى الدنيا بعين دودة تبحث عن ملاذ آمن بين نعال قاسية.

لا ملاذ آمنًا لأوطاننا دون امتلاك رؤية طائر.. ولا رؤية بانورامية شاملة دون امتلاك تقنياتها.. ولا امتلاك لتقنيات الرؤية دون تحرير الحق في المعرفة.

حرّروا البحث العلمي من الخرافة. أعيدوا التاريخ إلى القبو، وانقلوا المعرفة إلى غرفة المعيشة.