في أتون هذه الصراعات التي يشهدها عالمنا، ما أروع أن تدير ظهرك للقنوات الإخبارية ولمُحلِّليها، الذين يُبالغون في تخميناتهم لدرجة تُشعرك بأن هذا اليوم مرّ بسلام، وأن غداً هو بداية نهاية العالم، حالة من الاكتئاب تراها على وجوه أغلب البشر حيثما ولَّيت وجهك، لكن هناك قلة لا تهتم بما يجري حولها، تغبطهم على نعمة فقدان الشعور تجاه الكوارث التي تحصل في العالم، لا يعرفون بأن هناك تهديدات أمريكية لكوريا الشمالية، وأن هناك شقياً اسمه (كيم جونغ أون) زعيماً لكوريا الشمالية من أكثر زعماء العالم إثارة للجدل، قتل مناوئيه بمدافع الهاون وبقذائف مضادة للطائرات، ورميًا للكلاب الجائعة، ربما هو مَن يكتب اسمه على لوحة شرف؛ كمُتسبِّب في قيام الحرب العالمية الثالثة.

من بين أولئك الذين أداروا ظهورهم لما يجري في العالم من أحداث، ذلك الرجل السبعيني، بائع (اليانصيب) الذي التقيته في أحد مقاهي (الروشة) بلبنان، حاول إقناعي بشراء تذكرة يانصيب، لكنه لم يفلح، قلت له: كم سنة قضيتها في ممارسة هذه المهنة؟!، قال منذ الحرب الأهلية اللبنانية، قلت له: كل هذه العقود من السنوات ولم تفلح في إقناع نفسك بشراء تذكرة واحدة من اليانصيب الذي يتوشَّح صندوقه صدرك؟!.. باع هذا العجوز تذاكر اليانصيب في زمن الحرب الأهلية على المتقاتلين، وكان الوحيد -كما قال- الذي يذرع شوارع بيروت دون خوف من القنَّاصة،لأنه لا يستمع للأخبار، درعه الواقي آنذاك، صندوق اليانصيب.

وأما الآخر فهو (سوري)، من تحت ركام المنازل المتهدمة حول سلاح (الكلاشنكوف) من أداة للحرب إلى آلة موسيقية عرضها في معرض دمشق الدولي، حوّل سلاحه إلى (ربابة) تنبعث من فوّهته موسيقى هادئة، بدلاً من صوت أزيز الرصاص، وكأنه يدعو قومه إلى طرح السلاح واستبداله بربابة صوتها يأسر الجميع، ويجمعهم ولا يُفرِّقهم.

لقد قلت: إنني أدرتُ ظهري لنشرات الأخبار، لكن ذلك حصل في فترة الإجازة، ما لبثت أن عدت إلى فواجعها، كانت البداية من إعصار (إيرما) الذي قيل عنه: إنه أشد وطأة من (هارفي)، والذي دمَّر معظم جزر الكاريبي، وقبلها ولاية فلوريدا الأمريكية، مروراً بالتحذير الذي أعلنته (ناسا) عن قرب ثوران بركان هائل قد يؤدي إلى عواقب أكثر مأساوية من تلك التي قد يُسفر عنها سقوط (نيزك) على الكرة الأرضية، بحسب الخبراء فإن عشرين بركانًا قد تثور في أي لحظة، وأن بركان (بلوستون) الواقع في ولاية (دايومينغ) الأمريكية هو الأخطر منها، وقد يُسفر عن حلول الشتاء البركاني الذي قد يودي بحياة الملايين.

وهذه التنبؤات الأخيرة لم أعرضها على العم (طان) الشاعر التركي وملمّع الأحذية الذي يأخذ مكانه أمام وزارة العدل التركية، والذي هجر سماع الأخبار وقاطع التلفزيون من سنوات، ولا يلقي للأصوات التي تنتقده لمزاولة مهنته تلك بالاً، ويرد على أولئك قائلاً: «الأقدام هي التي تقود الإنسان إلى حيث ما يريد الرأس»، وله فلسفة خاصة حول متابعة الأخبار تقول: لا تأتيك بما يفرحك، بل بما يقض عليك مضجعك.