«صدِّق أو لا تصدِّق» قد يصلح عنوانًا لمسلسل تلفزيوني رمضاني يستحوذ إعجاب مَن بلغوا الخمسين من العمر وأكثر من أبناء هذا الوطن، وربَّما أبناؤهم وأحفادهم! خطر لي ذلك وأنا أعود بالذَّاكرة إلى أيَّام صبانا، وأردِّد قول الله في سورة الإسراء ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾.

ومن سرحات الخيال إلى الواقع المُعاش بدت لي لوحات فنيَّة مسرحيَّة تمثِّل صورًا من واقع حياتنا قبل طفرة تسونامي السبعينيَّات وبعده. حلقات مسلسل خلخلت مفاصل المجتمع وقلبت نمط حياة عدد غير يسير من أبنائه رأسا على عقب. وكمن يعيش في حلم، تدفَّقت إيرادات النفط بشكل غير مسبوق إلى جيوب شريحة كبيرة من مواطنين كانوا محسوبين على خط الفقر، فجعلتهم بين ليلة وضحاها بمصاف أصحاب الملايين.

كلُّ ذلك بفضل المضاربة ببيع أراض خارج نطاق العمران وشرائها بأثمان تتضاعف يوميّا باضطرادٍ، وبتوجيه وتخطيط من سماسرة تخصَّصوا بالنهب والسلب بطرق ملتوية طارئة على مجتمعنا ظاهرها فيه الرحمة وباطنها ويل وثبور وعذاب.

هذه الطبقة التي غمرها تسونامي طفرة السبعينيَّات، فأصبحت من رجال المال والأعمال ويشار إليهم والى أفراد أسرهم بالبنان هم والأثرياء المعدودين من قبل، راحو يتبارزون بمظاهر الثراء الفاحش، وعليهم ينطبق قول الله. ولو اقتصر فُسق هؤلاء على التحوُّل من العيش في بيوت من اللبن والطين إلى قصور فارهة لهان الأمر! أمَّا وقد عاثوا في قيم المجتمع وعاداته وتقاليده فسادًا وبأخلاقه حطَّة واستهتتارًا مستقدمين لخدمتهم وتربية أطفالهم خدمًا ومشرفين من أقاصي الشرق الأقصى، وعلى اختلاف التخصُّصات المنزليَّة والكمالية والتربيَّة الحميدة لينوبوا عن الأمَّهات والآباء في خدمة البنين والبنات، والعناية بالزوج والزوجات، فتلك ثالثة الأثافي، وبدء التدمير الذي حذَرنا الخالق من مغبَّاته.

وهكذا رويدًا رويدًا، راحت الأسرة السعوديَّة حديثة العهد بالثراء، تفقد محافظتها على مكارم الأخلاق كما شرحتها السيرة النبويَّة الشريفة! واستُعيض عنها بموضة اللهو والعبث المشروع وغير المشروع لينعكس ذلك على المجتمع عامَّة.

وما لم يتدبَّر الأمر، فمسلسل قصص مدراء الفنادق والبنوك خارج المملكة، وسماسرة اللهو والعبث في بلدان السياحة والاصطياف الكثير الكثير، يصلح لمسلسل رمضاني، يضع الأجهزة الرسميَّة العاملة على نجاح خطط تنمية 30/20 لمعالجة الخلل في قيم المجتمع وسلوك إفراده قبل قطف ثمرات 30/20 التي ينتظرها الشعب بفارغ الصبر، ويجعل «قريتنا» ومملكتنا آمنة.. وما ذلك على الله وأولي أمرنا بعسير.