واحد من قوانين الحياة أن لا شيء بلا مقابل، هناك دائماً ثمناً ندفعه، أو ينبغي أن ندفعه مقابل لما نريده.

مجانية الحضور والتأثير لا وجود لها إلا في خيال من لا يُحسنون الحساب، ولا يمتلكون الرؤية، وفي الغالب فإن مَن يتوهَّمون القدرة على الحصول المجاني على ما يريدون، يُسدِّدون فواتير باهظة قد تنال من صميم فرصهم في مجرد البقاء.

قاعدة أن لا شيء بلا ثمن، يعرفها كل الكبار في العالم، وفي الإقليم، فهم لم يصبحوا كباراً إلا بفضل استيعابهم لتلك القاعدة، وهم قد أتقنوا عبر تاريخ ممتد، فنون تأهيل المعادلات الدولية والإقليمية، لتُرجِّح كفتهم عند حساب الأرباح والخسائر.

تثبيت الصورة عند الوضع الراهن في الإقليم، يشير إلى اقتراب موسم الحصاد بعد اضطرابات ومواجهات عصفت به على مدى ربع القرن الأخير، وبلغت ذروتها مع فورانات ما سُمِّي بـ»الربيع العربي».

العرب هم أكبر الخاسرين مع تضعضع وانهيار النظام الإقليمي العربي، منذ الاجتياح العراقي للكويت في أغسطس ١٩٩٠، ثم سقوط بغداد في ربيع عام ٢٠٠٣، ثم تداعيات كل ذلك على النظام الإقليمي برمته، في منطقة بدت عصية على استيعاب المتغيرات، أو التفاعل البناء مع ما أنتجته ثورة تقنيات الاتصال من تفاعلات على المستويات الثقافية والاجتماعية والسياسية والأمنية والإستراتيجية.

أخطر التحولات في السنوات الأخيرة، جسَّدها ما حدث ويحدث في سوريا، حيث المختبر الحقيقي الذي تجري فيه معادلات إعادة صياغة موازين جديدة للقوة، وخرائط جديدة للنفوذ، وبينما تدخل التفاعلات على المسرح السوري طور تبلور النتائج، فإن ثمة حاجة عربية ملحة إلى بلورة رؤية عربية للمستقبل واستحقاقاته، تسبق بالضرورة، ما يمكن أن تفرزه الموازين الجديدة للقوة، والخرائط الجديدة للنفوذ.

باعتراف الولايات المتحدة التي جرى التعويل عليها عربياً، لِلجم التدهور في الإقليم، فإن هدفها الراهن في سوريا مع اقتراب استحقاقات الخرائط والموازين هناك، هو إيقاف التمدد الإيراني في الإقليم، وليس حمله على التراجع والانسحاب، لكن هذا الهدف المتواضع، يبدو صعباً ومكلفاً بذاته، بعدما تمكنت طهران عبر تجييش قوى الطائفية في الإقليم لحسابها، في العراق وسوريا واليمن ولبنان، على نحو بات يُهدِّد صميم الوجود العربي في تلك الدول.

يقول الأمريكيان جيمس جيفري ودينيس روس في نصيحة مباشرة لإدارة الرئيس الأمريكي ترامب نشرها معهد واشنطن لشؤون الشرق الأوسط، إن واشنطن لا تملك بعد، رؤية استراتيجية للتعامل مع ما يجري في سوريا ومحيطها الإقليمي كله، ويطالبان إدارة ترامب بالمسارعة إلى طرح تلك الرؤية التي يُحدِّدان لها هدفاً يبدو متواضعاً بنظر إقليم عربي، راهن طويلاً على ضمانات أمريكية لاستقراره.

جيمس جيفري ودينيس روس، وضعا معاً رؤية من ثماني نقاط، دعوا إدارة ترامب إلى تبنِّيها كإستراتيجية حاكمة للسلوك الأمريكي في المنطقة، أخطر ما في تلك الرؤية، أنهما خلصا معاً، إلى أن المواجهة مع داعش في سوريا ليست أهم من المواجهة مع إيران، وأن إلحاق هزيمة كاملة بداعش في سوريا، سوف يُمكِّن طهران من تحقيق أهدافها في سوريا.

ثاني أخطر مكونات تلك الرؤية، هو أن إنهاء الأزمة القطرية بحمل قطر (على تغيير سلوكها) ضروري لبناء تحالف أمريكي- عربي لمواجهة إيران.

ثالث مكونات تلك الرؤية، هو التمسُّك بجميع استحقاقات الاتفاق النووي مع طهران.

رابع مكونات تلك الرؤية، هو عدم الانسحاب من مناطق أو التخلي عن مواجهات، ما لم تكن المخاطر هائلة.

خامس مكونات تلك الرؤية هي، أن تتجنَّب واشنطن التمادي في رد الفعل من جانبها ما لم تكن المخاطر (هائلة).

سادس مكونات الرؤية المقترحة، هي العمل بهدوء مع حلفاء الولايات المتحدة لمساعدتهم على الشعور بأنهم جزء من الإستراتيجية المتعلقة بإيران.

سابع المكونات، هو الإدراك بأنه لا يمكن للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يصلح معضلة أمريكا مع إيران في سوريا. فالتواصل والتنسيق مع الروس أمر منطقي، ولكن ما لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لرفع الثمن الذي يدفعه الروس، فسيُواصلون معاملة الإيرانيين والمليشيات الشيعية كمنفذيهم الميدانيين.

ثامن المكونات، هو أنه يجب شرح السياسة الأمريكية بشكلٍ متكرر للأصدقاء والأعداء على حدٍّ سواء؛ ولا ينبغي لأحد أن يشك في النوايا الأمريكية.

باعتراف جيمس جيفري، ودينيس روس، فإن أمريكا بلا إستراتيجية في الشرق الأوسط، فيما تقترب استحقاقات خرائط النفوذ، وموازين القوة في الإقليم، بينما يستعد الإيرانيون لتثبيت مواقعهم، وتوسيع خرائطهم، في غياب رؤية إستراتيجية عربية، لا بديل عن الاستعداد لها، وبها، من قِبَل الأطراف الفاعلة فيما تبقَّى من النظام الإقليمي العربي، وأظن أن رباعية السعودية ومصر والإمارات والبحرين، قد تكون مؤهلة لطرح تلك الرؤية، وتبنِّيها والدفاع عنها، باستعداد تام لدفع الثمن.. فالغياب سوف يعني التخلي عن دور في النظام الإقليمي، لا معنى لوجودنا إن فقدناه.