بدأت إيران في الاستماع لما يوحى إليها من أنها قوة ضاربة تخشاها القوى الكبرى وتحسب لها ألف حساب، فهي شبه مهيمنة على العراق، ولها حضور قوي في الأزمة السورية، وتأثير سياسي على لبنان، ولأنها كذلك، كان عليها أن تناضل من أجل أن تمتلك السلاح النووي لتأخذ مكانها ضمن الدول الكبرى، وترى بأن الأمر أمامها أصبح سهلا، فها هي كوريا الشمالية تعلن تحديها للعالم كله، ضاربة بقرارات الأمم المتحدة عرض الحائط، وتمادت بإطلاق صاروخها السادس وسط الاستنكار العالمي والتهديدات الأمريكية، لذلك رأت بأن عليها أن تسير على المنوال الكوري، وتدير ظهرها للعالم وتمضي في برنامجها النووي، فقامت بإطلاق صاروخ باليستي، ظانة بأن إطلاق مثل هذه الصواريخ لا يدخل ضمن الحظر الذي وقَّعته مع الدول الخمس، وتراه الولايات المتحدة أنه لا يمكن فصل تكنولوجيا الصواريخ عن الأسلحة النووية، وقامت إثر ذلك بتوقيع عقوبات اقتصادية جديدة على طهران، هددت إيران على إثرها بالانسحاب من الاتفاق النووي إذا فرضت الولايات المتحدة أي عقوبات جديدة عليها، ويبدو أن تصرفات كوريا الشمالية الأخيرة وسط الصمت العسكري المطبق دعا الإيرانيين إلى رفع أصواتهم مهددين بانسحابهم من الاتفاقية، رغم أن قرار العقوبات الأمريكية الأخير على إيران جاء على خلفية برنامجها للصواريخ الباليستية وأنشطتها العسكرية في الشرق الأوسط، مع الحفاظ على الاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني الموقع عام 2015، والولايات المتحدة -على لسان مندوبتها في الأمم المتحدة- لا يمكن أن تسمح لإيران باستخدام الاتفاق النووي لاحتجاز العالم رهينة، وأن العقوبات الجديدة ليس لها صلة بالاتفاق النووي مع إيران.

الاتفاقية التي تم توقيعها من قِبَل دول 5+1، يرى بعض الخبراء بأن بها تناقضات شديدة، وأن كل طرف يراها من وجهة نظره، فالولايات المتحدة ترى أن توقيف التخصيب الإيراني بصورة عامة، ومفاعل آراك بصورة خاصة يُعَدُّ مكسبا لها، ويرى البعض أن الاتفاقية تنص على تجميد الإنتاج وليس وقف التخصيب، وفي كل الأحوال، فإن الإيرانيين يبحثون عن حل يتيح لهم التملُّص من هذا القرار، حتى لو أدى بهم الأمر إلى اتباع السلوك نفسه الذي هي عليه كوريا الشمالية، لاسيما وأن مرشدهم الأعلى «خامنئي» قد أصدر في عام 2004 قراراً ينص على «أن على علماء إيران تمكينها من التكنولوجيا النووية، وأن يحدِّدوا لإيران كيف وأين ومتى تخرج للفضاء؟».

ومع أن الدول الكبرى وإيران وقَّعوا اتفاقًا يُحدِّد مسار البرنامج النووي الإيراني الذي سيكون تحت رقابة صارمة يضمن ابتعاده عن الطابع العسكري. ومن بينها السماح بدخول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لكل المواقع الإيرانية المشتبه بها، ويشمل ذلك مواقع عسكرية يتم الوصول إليها بالتنسيق مع الحكومة الإيرانية، إلا أن إيران بدأت تلوح بعدم السماح بدخول المواقع العسكرية الإيرانية، وأن التفكير في ذلك مجرد حلم، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة ترد، بـ «إذا كان الأمر كذلك، فإن الامتثال الإيراني للاتفاق النووي حلم أيضا».

إيران ليست كوريا الشمالية التي باغتت العالم بما وصلت إليه، كوريا كانت الدرس المؤلم الذي استيقظ عليه العالم أجمع، ولن يسمح لإيران أن تكرر نفس التجربة.