Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محسن علي السهيمي

اخلعوا العباءات

A A
حينما قال الشاعر: «وكلٌّ يدَّعي وصلا..» إنما قال ذلك ليُسلِّط الضوء على منطقة معتمة تقع بين الحقيقة والوهم، يمارِس فيها الكثير من الناس ادعاءاتهم (الواهمة) بأنهم على صلة وثيقة بمن يعشقون. وعليه، فمسألة ادعاء الوصل بدِينٍ أو قيمةٍ أو مبدأ أو محبوب وغيرها تُعد من المسائل الإشكالية التي يصعب الفصل فيها وبيان حقيقتها ما لم تكن هناك ممارسة حقيقية (صادقة) تنفي الشك وتثبت اليقين. ولو أننا نزعنا لقياس مؤشر الوصل لدى المسلمِين مع الإسلام لوجدناه -في ظاهره- ذا قيمة عالية تبعث على التفاؤل، غير أن واقع العديد من المسلمِين (أفرادًا وجماعات وأحزابًا ومنظمات وسياسيين) لا يشي بأنهم على وصل حقيقي (صادق) بمبادئ الإسلام وقيمه وتعاليمه، ولا أقول بالإسلام إيمانًا ومعتقدًا. من الطبيعي أن يتباين المسلمون، وعلى ضوء ذلك تتباين مستوياتهم في جانب الأخذ بتعاليم الإسلام، لكنها في نهاية الأمر تتفق من حيث كون أكثرها مجرد ادعاء بالوصل أكثر منها ممارسة حقيقية صادقة تنزل عند مبادئ الإسلام وقِيمه وتعاليمه في الأحوال والنوازل كلها. هنا تتنوع الشرائح التي تدَّعي وصلا بالإسلام؛ فتجد المسلمَ (المستمسكَ) الذي ينتهج نهج التقوى، فتراه ملتزمًا بأداء الصلوات المفروضة ونوافلها، صوامًا، قوَّامًا، متصدقًا، وهو بهذه الكيفية يُعد مؤديًا لحقوق الله، لكنه في الوقت نفسه ربما كان مضيعًا لحقوق الناس خاصة المتعلقة بالمال أو الممتلكات والمتعلقة بالسلوك والتعامل والأخلاق والصدق والصِّلات، ذا نفع قاصر على نفسه. وتجد المسلمَ (المستنيرَ) الذي يشدد على مسألة الوعي، غير أنه لا يتصف بما اتصف به المسلم المستمسك لا من حيث الشكل ولا من حيث ممارسة العبادات، وهذا قد قصر في حقوق الله، لكن ربما كان مؤديًا لحقوق الناس المالية، غير آكل لها، حسن الأخلاق، لين الجانب، منفتحًا، قائمًا بحقوق الآخرين، ذا بِر وصلة ونفع متعدٍّ. وتجد المسلمَ (الحزبيَّ) الذي يرفع شعار الغيرة على الإسلام، وله أجنداته الخفية التي يمررها تحت هذا الشعار ويستهوي بها البسطاء، لذا فلا غرابة أن يتخلى عن شعاراته التي ينادي بها حينما تلوح له غنيمةٌ أو يُمكَّن في الأرض. وتجد المسلمَ (الخَزَعْبليَّ) المضلِّلَ والمضلَّلَ الذي يمارس طقوسًا أسطورية بداعي المحبة أو المظلومية. وتجد المسلمَ (السياسيَّ) الذي يرى أنه الأقدر على تطبيق الإسلام والنهوض به، ويؤكد أن الإسلام دستوره ومنهاجه الذي يُسيِّر شؤونه كلها، غير أن واقعه يشهد بأنه اتخذ الإسلام شعارًا غير قابل للممارسة إلا في مواقف تتعلق بمصلحته، حينها تظهر نبرة الاستمساك بأهداب الإسلام وتعاليمه العظيمة ووجوب الرضوخ لها لتمرير أمر ما يرغبه هذا السياسي أو ذاك. ما يقال عن النماذج السابقة (المستمسك والمستنير والحزبي والخزعبلي والسياسي) ينسحب على شرائح أخرى في المجتمعات الإسلامية بصفتها الفردية أو الجماعية. القاسم المشترك بين هذه الشرائح أنها أساءت للإسلام من حيث تدري أو لا تدري، وأنها بهذه الكيفية جعلت من الإسلام مجرد طقوس بانغلاقها، أو مسخًا بوعيها القاصر، أو وسيلة لغاية تحت غطاء غيرتها المخاتلة، أو أساطير بجهلها، أو أداةً للتركيع بقوتها الجبرية. الإسلام في حقيقته أشمل مما تمارسه هذه الشرائح باسمه؛ فهو عبادةٌ خالصة للخالق، وممارسةٌ أخلاقية راقية مع المخلوقِين وفق منهج أكمل الخلق صلى الله عليه وسلم، وسلوكٌ حضاري يتماشى وروح كل عصر. فليت أن الشرائح جميعها تخلع عن أكتافها عباءات تمثيل الإسلام واحتكاره، وتطرح عنها نغمة الادعاء بأنها على (وصل تام) بمبادئه، وأنها الوحيدة الممتثلة لتعاليمه، وأنها (الأتقى أو الأوعى أو الأغير أو الأشد محبة أو الأقدر)، وهي التي أساءت إليه حينما كيَّفته وفق مصالحها وأهوائها ورغباتها... وكفاكم استغلالا وتشويهًا للإسلام.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store