ترى هل قضت المسلسلات التلفزيونيَّة العربية والتركيَّة المدبلجة خاصَّة على مهنة الحكواتي! تلك الشخصيَّة التي امتهنت سرد القصص في المنازل والمحلات والمقاهي والطرقات من قبل أن يعرف أهالينا الراديو والتلفزيون. أيَّامها كان السمِّيعة يتجمهرون حول الحكواتي لسماع ما يقصَّه عليهم من كتاب في صفحاته حكايات التراث الشعبي التي فيها القليل من الواقع والكثير من الخيال. وكان لا يكتفي بسرد أحداث القصَّة بتفاعل دائم مع جمهوره، بل بحماس يجسِّد دور الشخصيَّة التي يحكي عنها بالحركة والصوت.

يبدأ بسرد الرواية أو الحكاية التي غالبًا ما تكون عن شخصيَّة تاريخيَّة، وتتمحور حول البطولة والشجاعة والشرف والمروءة ونصرة المظلوم. وكذا عن العشق والغرام غير المتكافئ كحالة عنتر وعبلة. وفي نهاية كلِّ حكاية لا بدَّ من أن ينتصر الخير الذي يمثِّله بطل الرواية. ويبقي الحكواتي جمهوره في تشوُّق دائم لمعرفة وقائع القصَّة أوَّلًّا بأوَّل. وإذا ما طالت الحكاية لليالٍ وأيَّام، كان يحرص على أن تنتهي أحداث القصَّة كلَّ ليلة بموقف متأزِّم والبطل في مأزق ليبقي جمهوره متشوِّقًا لسماع بقيَّة الأحداث، وكيف سيخلِّص البطل نفسه من المأزق.

مبيعات المكتبات العربيَّة تدلُّ على أنَّ أكثر الكتب رواجًا هذه الأيَّام هي المتعلِّقة بتفسير الأحلام، وفيديوهات قنوات التواصل الاجتماعي كيف يصبح القارئ مليونيرًا في أسبوع باستثمار مئة يورو لتعود عليه بالألوف إذا أحسن اختيار من يدير استثماره بحرفيَّة!

وللشاشة الفضيَّة أيضًا إغراءات تعدك بالملايين بمجرَّد اتِّصال هاتفي على أرقام تظهرها واحدة من أوسع الشبكات التلفزيونيَّة العربيَّة انتشارًا. وإغراءات غيرها بكتابة رسالة نصيَّة إلى موقع إلكتروني لتحقيق «الأمل» تنتقل معه بطرفة عين من حال إلى حال.

أعلنت تلك الفضائيَّة مؤخَّرًا عن إعادة عرضٍ بتسعة أجزاء من مسلسل رمضاني كان قد استأثر بمتابعة ورثة عشَّاق مسلسلات الحكواتيَّة، ونبذه منذ البداية جيل المثقَّفين الذين يسعون لمحاكاة الدول المتقدِّمة في العلوم والفنون والاختراعات من أجل مستقبل أفضل لهم ولبلدانهم كدول تتربَّع اليوم على قمَّة الاقتصاد العالمي. قنواتهم الفضائيَّة تبثُّ ليل نهار لمشاهديها دورات دراسيَّة في مختلف مراحل التعليم بما فيه التعليم العالي، وبرامج وأبحاثًا لتثقيف مواطنيها وتوعيتهم بواقعهم، وواجبهم للحفاظ على تفوُّقهم في العلوم والفنون كافَّة.

ترى هل لقنواتنا الفضائيَّة ومواقع التواصل الاجتماعي التي شغلت معظم ساعات فراغ شبابنا وشيَّابنا وخدَّرت عقولهم وقتلت الإبداع والتفكير فيهم نصيب من محاكاة الدول المتقدِّمة في مضمار التعليم والتوعية والثقافة لتآزر جهود قيادة بلدنا في تحقيق الهدف من خطَّة تنمية 20-30 التي تنتظرها أمَّتنا بفارغ الصبر؟.