تبدو عوامل القلق في منطقتنا كثيرة جدًا، منذ محنة الربيع العربي، لكن عوامل الطمأنينة تبدو أكثر رسوخًا وقوة.

مصدر القلق، أننا شعوب لم يجرِ إعدادها للتفاعل مع المخاطر، ولا لخوض المغامرات، فالمغامرة في عرفنا مخاطرة، أو نقص في الحِكمة، وعيب في العقل. نحن ثقافة تنتظر الفرج بامتياز، وتثق بيقين كامل في أنه آت لا محالة.

الفرج في السياسة، لايحدث بغتة، ولا تحمله المصادفات إلى مرافىء ينتظر عندها التاريخ استحقاقاته، لكنه نتاج عمل وجهد، قد يثمر بالتراكم، لكن نجاحاته مرهونة بالقدرة على رصد مقدماته، وجمع المزيد من المعلومات بشأنها، ثم التحليل الجيد لها، والتخطيط الدقيق بناء عليها.

دعونا نعترف أن قليلا بيننا مَن يحسن رصد المقدمات، وجمع المعلومات، وتحليل نتائجها، والتخطيط الدقيق بناء عليها، ودعونا نعترف أيضًا، أن قليلا بين هذا القليل، هو جهد مؤسساتي منظم تضطلع به أجهزة ومراكز رصد وبحث وتحليل وتدقيق، وأن أغلب هذا القليل بيننا، هو نتاج رؤية لزعامة فذة، أو لزعيم حنّكته التجارب، وعركته المحن.

في داخل غرفة الخرائط، وخلف أبواب موصدة بوجه كبار الإقليم وصغاره، تنكب قوى عظمى منذ اندلاع محنة الربيع العربي، على عملية إعادة رسم خرائط لدول، ومناطق نفوذ، وشبكات طرق، وممرات للطاقة والنفط والغاز، يحدوها رهان على ضعف مناعة الإقليم، وعدم قدرته على مقاومة التقسيم وفق خارطة جديدة يفترض من يضعونها، أن تاريخ صلاحية خرائط سايكس-بيكو قد انقضى، وأن لحظة التغيير قد حانت.

ما جرى في استفتاء كردستان للانفصال عن العراق، وما جرى بعده، يبدو محملًا بعشرات الرسائل في كافة الاتجاهات، أخطرها على الإطلاق، هو أن المنطقة عصية على التقسيم، ولو تحت النار، وأن أفكارًا تتحدث عن حق تقرير المصير، وعن حرية الاختيار، ليست قابلة للتسويق في منطقة الشرق الأوسط، وأن فكرة الدولة القومية، التي لم تُبلورها التطبيقات في دول الإقليم، ما تزال رغم ذلك، أقوى من أن يعصف بها كبار النظام الدولي القائم.

لدينا ملامح عن خارطة جديدة للإقليم، خطّها الكبار بالقلم الرصاص، لكن الإقليم يستعيد ذاكرة الممحاة ويأبى تحبير الخارطة.

تعجُّل أكراد العراق للحظة الاستقلال، وإصرار الزعيم الكردي مسعود برزاني على استكمال الاستفتاء رغم ضغوط دولية وإقليمية، استنفر الجهاز المناعي للإقليم، واستدعى طاقات هائلة لمقاومة التقسيم تحت أي ادعاء، مهما حمل من ملامح إنسانية وحضارية وتقدمية.

مفردات الخطاب التركي- الإيراني بشأن استقلال كردستان العراق، تشير إلى صعوبات هائلة تكتنف مستقبل أي كيان كردي وليد، وتحمل قوى دولية على مراجعة مواقفها في هذا الشأن مجددًا.

وتستفيد دول المنطقة بقوة من مشاهد عنف حكومي، اكتنفت استفتاء مماثلا على استقلال إقليم قطالونيا عن إسبانيا، لتقول للغرب: إن ثمة انتقائية تتعلق بحقوق الإنسان، تتسامح مع ردع حكومي إسباني لنزعات انفصالية، وتنحاز مع ذات النزعات الانفصالية كلما تعلق الأمر بإقليم الشرق الأوسط ودوله.

مستويات رد الفعل الإقليمي، على محاولات تقسيم العراق من بوابة استفتاء كردستان، تشير إلى قوة الجهاز المناعي للإقليم، لكنها لا تعكس رؤية لمستقبل العلاقة بين مكوّناته العرقية والطائفية والدينية. تلك الرؤية لا وجود لها في غياب ثقافة الاختلاف، والتعايش مع المختلف، والإقرار بحقيقة التنوُّع، ثم تكريس قِيَم إنسانية وعملية لإدارة هذا التنوع داخل أُطر سلمية تحفظ للأوطان وحدتها، وللإنسان قِيَم المواطنة الكاملة.

الحرص على سلامة الأوطان، يقتضي الحرص على سلامة مكوّناتها الثقافية والعرقية والدينية والطائفية. كلما كبر هذا الحرص في دول الإقليم، وكلما تطورت المؤسسات التي تُكرِّس تلك القِيَم وتصونها، كلما أصبحت خرائط الإقليم مصانة، وعصية على التغيير.

قد تحمل القوى العظمى قلم رصاص لتغيير الخرائط، لكن الشعوب القوية، والدول العفية، بيدها ممحاة، تجعل تحبير تلك الخرائط مستحيلًا.