هناك مَن يزعم أنّ الاعتماد في السنة كان على المشافهة لا على الكتابة، وأنّها لم تُكتب إلّا على رأس المائة الهجرية، وهم بقولهم هذا يُشكّكون في صحة الأحاديث النبوية، فأصبح هناك من لا يقبل الأحاديث النبوية لظنهم أنّ احتمال الخطأ فيها كبير، لاعتمادها على حفظ الذاكرة البشرية المعرّضة للنسيان والخلط والوهم، وهذا جد خطير؛ لذا رأيتُ من الضرورة بمكان أن أُزيل هذا اللبس، فالقائلون بهذا القول لم يُفرّقوا بين الكتابة والتدوين، فقد فهموا أنّ التدوين هو الكتابة، وعليه فإنّ السنة -كما فهم المعاصرون من كلام السابقين- ظلّت محفوظة في الصدور لم تُكتب إلّا في نهاية القرن الأول الهجري في عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز، لأنّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- منع كتابتها، فلمّا توفي، بادر الصحابة إلى جمع ما كُتب في عهده في موضعٍ واحد، وسمّوا ذلك المصحف، واقتصروا على ذلك، ولم يتجاوزوه إلى كتابة الحديث وجمعه في موضعٍ واحد، كما فعلوا بالقرآن، ولكن صرفوا همّهم إلى نشره بطريق الرواية، إمّا بنفس الألفاظ التي سمعوها منه عليه الصلاة والسلام، إن بقيت في أذهانهم، أو بما يؤدي معناها إن غابت عنهم، فإنّ المقصود بالحديث هو المعنى، ولا يتعلق في الغالب حكم المبنى بخلاف القرآن، فإنّ لألفاظه مدخلًا في الإعجاز، ولم يزل أمر الحديث في عصر الصحابة وأول عصر التابعين، ولمّا أفضت الخلافة إلى من قام بحقها عمر بن عبدالعزيز أمر بكتابة الحديث.

هذا قول خاطئ، فالرسول صلى الله عليه وسلم منع كتابة الحديث في بداية نزول الوحي، خشية اختلاط القرآن بالحديث، ولكن عندما تعوّد الناس على الأسلوب القرآني سمح بكتابة الحديث، فالحديث كُتب في عهده عليه الصلاة والسلام، وجُمِعَ أي دُوّن على رأس المائة في عهد عمر بن عبدالعزيز، قال في اللسان: «والديوان مجتمع الصحف». وقال في تاج العروس: «وقد دوّنه تدوينًا جمعه، وعليه فالتدوين هو جمع الصحف المشتتة في ديوان ليحفظها».

وصُنّف أي اتخذت الكتابة فيه طابع التبويب والترتيب من منتصف القرن الثاني الهجري، وبلغ أوجّه وذروته في القرن الثالث الهجري، هذه المراحل الثلاث التي مرَّ بها تقييد الحديث وكتابته.

وهكذا نجد أنّ الخلط بين الكتابة والتدوين، واعتبار أنّ التدوين هو الكتابة أدّى إلى الحيرة في فهم النصوص، فكيف يرفض أبوبكر الصديق رضي الله عنه كتابة السنة، في حين أنّه كتب إلى عمّاله كتابًا، وكيف يرفض عمر بن الخطّاب رضي الله عنه كتابة السنة، في حين روي عنه أنّه قال: «قيِّدوا العلم بالكتاب»؟، وكتب الكتب وأرسلها، وكتب صحيفة أودعها ابنه عبدالله، وفيها: «ليس فيما دون خمس من الإبل صدقة»... إلخ؟.

ولو أنّ المعاصرين فهموا حقيقة التدوين، وحقيقة الكتابة، وأدركوا الفرق بينهما، لما تعارضت النصوص في فهمهم.

أمّا عن الصحف التي كُتبت في عهده عليه الصلاة والسلام، فهذا ما سأبحثه في الحلقة القادمة إن شاء الله.

للحديث صلة.