بالفكر السليم، الناقد والحكيم، الوسطي في أحكامه وأفعاله، دون ميل إلى تطرفٍ أو تزمَّت، ولا إلى انفلاتٍ وتسيُّب، تتقدَّم الأمم وترتقي، وبه تزدهر الحضارات وتنمو، وتتحوَّل الأمم من مستهلكة إلى منتجة، أما بالفكر السقيم، الذي يمارس التطرف المقيت، والسلطوية المطلقة، تتأخَّر الأمم، وينتشر الجهل والفاقة، وتتحول الشعوب إلى شعوبٍ مستهلكة تابعة، ينتشر فيها الفقر والبطالة، والسلب والنهب، ومن هذا المنطلق الثابت علمياً يستوجب إعادة النظر في معابر الفكر في مجتمعنا، بحيث يُعطَى أعلى درجات الاهتمام والدعم والتعزيز، دعم الفكر السليم، الناقد الحكيم، الدعم من خلال إعادة صياغة الخطط والبرامج والآليات لمعابره، التي يأتي في مقدمتها نظام التعليم، الذي يُعد القاعدة الرئيسة والمنطلق الأساس لبناء الفكر عند كل فرد من أفراد المجتمع، لذا يستوجب أن تخضع كل عناصر العملية التعليمية وفي مقدمتها المقررات المدرسية والمناشط التربوية للتحديث في صياغتها، بحيث تُعزِّز الفكر السليم، الناقد الوسطي، الفكر الذي يُعزِّز سلوك: ماذا أفعل، وليس: ماذا فعل أجدادي، وسلوك البحث عن المعرفة وإنتاجها، لا سلوك الاتكالية على الغير، وتضمينه تعزيز المهارات الحياتية وتنميتها، والبحث عن المواهب والإبداع، وهذا ما حثَّ عليه ديننا الحنيف، فهناك الكثير من الآيات التي تحثنا على التدبُّر والتفكُّر، والحِكمة والعقلانية، كما يستوجب تنقية المقررات الدراسية من كل أمرٍ فيه إثارة للنعرات والتعصُّب، والتنفير والإقصاء.

ثم يأتي منبر الإعلام، الذي لا يقل دوره في تنمية الفِكر وتوجيهه وتعزيزه عن نظام التعليم من حيث الأهمية، لذا يستوجب أن تُوجَّه جميع الأجهزة الإعلامية الرسمية إلى بناء وتعزيز ذلك الفكر الناضج السليم، ونبذ الفِكر المتشدِّد الإقصائي السلبي، مما يستوجب إعادة النظر في المحتوى الإعلامي، والارتقاء به من حيث البرامج والمحتوى.

وهكذا منابر المساجد، التي أرى أن العديد منها لازال يجتر الكثير من خُطَب الماضي، ويُردِّد محتواها كما هي، حتى لو اعتراها بعض التجاوزات الشرعية، وأرى بعضها لا يعرج -ولو بنسبة ضئيلة- على السلوكيات والمعاملات المجتمعية اليومية، لذا لابد أن يُعاد النظر في محتواها من خلال توجيهات صارمة.

وكم أتمنى أن يكون ذلك ضمن أهداف وبرامج خطتنا الطموحة 2030، فكم نحن بحاجة إلى الكثير من البرامج التي تسعى للارتقاء بالفكر المجتمعي الحديث، المتأقلم مع متغيِّرات العصر، ومع عادات وتقاليد وأنظمة الأمم من حولنا، وكم أتمنى أن يُكثَّف التعزيز للارتقاء بثقافة التعامل مع المرافق العامة، ومع أنظمة المؤسسات الحكومية، وتعريف المواطن بحقوقه لديها، وما عليه من واجبات تجاهها، وكيفية التعامل الإيجابي مع برامج التواصل الاجتماعي، والتعريف بسلبياتها، خاصة تلك المنظمات الإرهابية والمنحرفة التي تغلغلت في مجتمعنا عن طريق برامج التواصل، وكان لها العديد من الآثار السلبية على بعض صغار شباب الوطن.

ولاشك أن كل ذلك لن يتم إلا بعد تهيئة البيئة المناسبة لتنمية وتعزيز ذلك الفِكر الإيجابي، ويأتي في مقدمة ذلك التغلب على البطالة، وإشعار الشباب -من قِبَل المؤسسات المعنية المختلفة- بقيمتهم ومكانتهم لبناء وطنهم وحمايته والذود عنه، وذلك من خلال تكثيف مشاركاتهم الوطنية والاجتماعية والمؤسساتية، وتعزيز تنمية الانتماء لوطنهم، والولاء لقيادتهم، فهم يُمثِّلون أكثر من 60% من أفراد المجتمع.. والله من وراء القصد.