الكاتب ارنست همنجواي، صاحب (نوبل) في الأدب، نجا من رصاصة كمراسل حرب، وتصارع مع ثور في إسبانيا، وصاد حيوانات مفترسة في إفريقيا، وعندما سُئل عن أعظم المخاوف، التي واجهها في حياته، أجاب: (ورقة بيضاء)!

نعم! تنضب الأفكار، وتتعثّر الحروف، وتُحدّق في الصفحة الفارغة عاجزًا عن تسويدها.. تلك الحالة المريرة هي أكبر كابوس مُفزع قد يداهم مضاجع الكتّاب. يسمّونها متلازمة الصفحة البيضاء، أو قفلة الكاتب (Writer›s block

) بالمصطلح العلمي، والذي أطلقه لأول مرة الطبيب النفسي إدموند بيرغلر، في أربعينيات القرن الماضي. واجه (القفلة) تقريبًا معظم الكتاب والمؤلفين وأشهرهم، ككاتبة الأغنية البريطانية المعروفة (أديل)، وصاحبة سلسلة (هاري بوتر) الشهيرة، وقبلهم هنري روث، الذي كانت قفلته الأعنف عبر التاريخ، كونها استغرقت 60 سنة!

ورغم أن الكُتّاب العرب - حسب اطّلاعاتي- لا يكشفون عن القفلة، ولا يُصرّحون عندما تَلزمهم (المُتلازمة)، إلا أنه قيل- والعُهدة على القائل- أن الأديب المعروف نجيب محفوظ، كان بدوره ضحية لهذه المعاناة، فتوقف عن الكتابة لمدة خمس سنين بعد روائعه الثلاثية، التي صُنّفت وقتها بأنها الأفضل في تاريخ الأدب العربي.

وقد اكتشفتُ أنه فِي مُعظم الأحايين، تأتي القفلة بعد نجاح هائل للكاتب، وبالتالي خوفه العارم من كتابة لا تُحاكي مستواه ولا تُرضي جمهوره. فمثلًا (جي كي رولنج) كاتبة سلسلة (هاري بوتر) عندما صرحت عن سكتتها الكتابية قالت عن كواليسها: «كانت بداية فترة انتشاري إعلاميًّا بسبب الكتاب الأول، ذلك الانتشار شلّني تمامًا (عن الكتابة)، وكنت خائفة جدًّا أن الكتاب الثاني لن يكون بمستوى الأول!»

وهو الخوف نفسه، الذي ركزت عليه الشاعرة الامريكية جوليا كاسدورف، عند تعريفها لقفلة الكتابة بأنها «مقاومة هائلة تُبنى داخل الإنسان يمكن وصفها بخوفٍ مكثَّف».. وهذه ميزة للعمل الرديء، وضريبة للعمل الناجح! فعندما تكون في القاع، لا أحد يتوقع منك شيئًا، لا ترقبّات لجديدك، ولا قلمك يخشى من تراجع المستوى، ولا خوف ولا ضغوط! بينما القمة مُقلقة ومليئة بالقيود. والحفاظ على النجاح -للكاتب ولغيره- هو أصعب بمراحل من تحقيقه. وقد قيل أن غلطة الشاطر بألف، بينما غلطة غيره لا يُكترث بوجودها أصلًا.

والحقيقة أن الكاتب كلما كان مثقفًا، غزير القراءة والتمرّس، كلما قَلّت (قفلاته) ومُتلازماته، فجهابذة الكُتّاب، كمن في هذه الصحيفة الغرّاء مثلًا، لا يقارنون بمحبّكم كاتب هذه السطور. ولذلك اعذروني أيها القرّاء الأعزاء - وإدارة التحرير- عندما تكثر قفلاتي وتنحسر افكاري، ولا أكون ملتزمًا بالكتابة على الدوام.

ختامًا أيها الأصدقاء، عليكم بالقراءة اليومية، والممارسة الروتينية، فالكتابة -وغيرها من المعارف- ينطبق عليها ما قاله أحمد توفيق بأنها (تضمر بعدم الاستعمال، وتصدأ كمفاصل البوابة، والتوقف لفترة طويلة عنها يجعل الرهبة مضاعفة، فيصير الحرف على الورق مغامرة مُخيفة غير محسوبة العواقب)!