تفوح فتنتها كسحابة مفعمة بالحياة، تودُّ لو تمطرُ ولا تفعل، لتقول لي إن يومك قد بدأ، يقولون إنها سمراء مرة، وهي كذلك، ألتقطها لاهفًا عجلًا وأنطلق، أنجو -ولا أعلم كيف- من اختناق جدة، وجدة عبقٌ من التاريخ الأنيقِ لولا اختناقها، أبدأ محاضرتي الأولى.. أشرح للطلاب والطالبات كيف أن موسيقى الشعر العربية جاءت استجابة لغريزة الإنسان حول حب النغم والإيقاع، وأنها النوتة الموازية لإيقاع حياة العربي البسيطة حد التعقيد.

تنتهي المحاضرة ولا تنتهي الأسئلة.. أسابق الزمن للمحاضرة التالية، رجاءً ألا يهرب طلاب النقد الحديث، فهم يرونها وجبة عسيرة الهضم، وأحاول -عبثًا- أن أقنعهم أننا -معشر النقاد- نحاول -عبثًا- أن نسك لهم منهجًا نقديًا لا للتعامل مع النص الأدبي وحسب، بل للتعامل مع كل تلك القضايا التي سيواجهونها في مستقبلهم.

ثم أهرع للحاق باجتماع مهم حول تطوير الخطة الدراسية في القسم، لا يبقي الاجتماع من الساعتين سوى كسرة دقائق.. يستغلها طالبُ دكتوراه مثابرٌ لمراجعة آخر التعديلات على خطة بحثه، ويحارب كي يقنعني بوجهة نظره، لكنني لا أفعل، يخرج الطالب من مكتبي بنصف سعادة -كما يقول الشاعر محمد خضر- بعد أن اقتطع نصيبه من خبز اليوم، فأحمل ركام عزيمة متناثر لمحاضرة أخيرة لطلاب الماجستير نناقش فيها دور الأدب ووظيفة الأديب في المجتمع اليوم، وهي قضية لا يمكن حلها -كما تعلمون- إلا بصحبة فاتنة سمراء البشرة.. مرة الطباع!

قبل نهاية المحاضرة/ المعركة يهتز جسد هاتفي الأبيض ليُذكّرني باجتماع أخير على بُعد دقائق.. أُحدّث نفسي الأمارة بالسوء، فلا تأمرني -هذه العنيدة- إلا بالخير، أذهبُ -تحملني الحقيبة- لاجتماع مناقشة خطة العام للأنشطة الثقافية في الجامعة.. يتفاخر الزملاء -وحق لهم- بآلاف الطلاب الذين استفادوا وحضروا أنشطة العام الماضي، ويحثنا عميدٌ صادقٌ وأمينٌ على مواصلة العمل المثمر.

أتفقد ساعتي فأجدها تبتسم بمكر.. سُرق وقت القيلولة، وما تبقى من دقائق قبل العصر لا يكفي إلا لزيارة المكتبة لالتقاط مرجع أو اثنين لبحثٍ اتفقت مع اليونسكو لكتابته بمناسبة يوم اللغة العربية، في المساء يقسّمني الوقت -حين أعود- كيف يشاء؛ يقتنص جهد ساعة أو أكثر لتحكيم بحثٍ، أو كتابة فصل من بحث، أو قراءة جزء من كتاب.. وحدها السمراء.. تتسلل إلى كل التفاصيل دون حذر أو خوف من الوقت، سيد المكان والأشياء.

أفكّر.. وأقرر سريعًا.. لابد من ساعة للجسد، أرتدي همةً طارئةَ الملامح، وأخرج لاختبارها حول «سور السليمانية» الممتد كالحلم.. يتصل طالب حكّمتُ خطة بحثه سائلًا لقائي لمناقشة التعديلات.. أتردد.. ثم أسأله: هل تعرفُ «سور السليمانية»..؟!

حين أعود وقد نفضتُ وسواس الهمة الطارئ، أتذكّر -بأسى- أني وعدت صديقًا بترجمة نص أدبي لصالح جهة خيرية، يقول عقلي: إذا كان صاحبك عسل.. وأرد: الصديق وقت..!! وأترجم النص.

خائرَ القوى.. أشاهد -للمرة الخامسة- الجزءَ الأخير والحزين من فيلم (بقايا اليوم) الذي كتبه أديب نوبل إيشيغيرو، أعيد رواية رضوى عاشور إلى الرف وقد أنهيتُها، ويحاول طه حسين أن يغويني لأحمل (المعذبون في الأرض) من الرف الآخر كما يفعل دائمًا، لكني أقاوم.. وأمد يدي إلى حليم بركات ليُحدّثني عن (غربة الكاتب العربي).. وعلى الغلاف -كثكنة جند في صف إعدام- ترتص وجوهٌ مألوفة لحفنةٍ من الغرباء.. أميّزُ منها: إدوراد سعيد، جبران، الفيتوري، ووجوهًا أخرى!.