تستدعي طبيعة العولمة أن يتم تكثيف الترابط الاجتماعي والثقافي بين الدول والشعوب في جميع أنحاء العالم، فالأفراد والمجتمعات أصبحت أكثر ارتباطا ببعضها البعض، وما يحدث في الخارج في أي لحظة قد يؤثر علينا بعمق داخل منازلنا. مع تزايد العلاقات التبادلية بين الناس تحقَّق تعبير «العالم قرية صغيرة»، يعيش الفرد فيها كمواطن عالمي، يتواصل، ويسافر، ويهاجر، ويتاجر خارج حدود البلدان

التقليدية.

وما دام أن من أهم أهداف العولمة هو هذا التجميع للمنفصل، والتوحيد للمختلف، والقولبة للمتميز، فلماذا، إذاً، تزداد قوى الطرد المركزي الناشئة الآن في أقاليم متعددة حول العالم؟.. كردستان التي تطالب بالاستقلال في قلب الشرق الأوسط وتهدد بالتقسيم الذي نعتقده مخططاً غربياً، تزامنها مطالبات كاتالونيا في قلب أوروبا، كما تواجه أسبانيا تحركات مماثلة من إقليم الباسك، وتواجهها فرنسا من جزيرة كورسيكا، كما أن هناك إستراتيجيات لحركات انفصالية طويلة الأمد في اسكتلندا، وكيببك في كندا، ومقاطعة فلانديرز في بلجيكا، وجزر فارو في الدنمارك، وجزيرة القرم في أوكرانيا. وإذا نجحت جميع الحركات الانفصالية في العالم في الانتقال من عالم حالي يقل عمره عن 200 دولة إلى واحد من أكثر من 1000 دولة، وكلهم

يتمتعون بمقعد متساو في الأمم المتحدة.

تتحدى العولمة الرغبة البشرية في الاستقلال الذاتي، تتحدى الثقافات المحلية، وتعزز خلافا تصاعدياً بين المواطنة والجنسية، ومع ذلك، فإن الأفراد في المجتمعات المنفصلة، ما زالوا يضعون قيمة عالية على انتماءاتهم، ويصرون على تشكيل ظروف وجودهم باستقلالية بعيدة عن التوحد. كل هذا الضغط على التطابق والتماثل قد يدفع إلى التمرد فتكون النزعة الانفصالية ردا على العولمة ورفضاً للاندماج القسري خارج دوائر العرق أو الدين أو التراث. يسعى الفرد العادي المفتقد لهويته إلى استعادة الإحساس بالاطمئنان إلى ما يشبهه وما يفهمه، فيهفو إلى إحساس جديد بالانتماء

في بلد صغير، محبذاً للنزعة المحلية على العولمة.

غالبا ما يصف الانفصاليون أنفسهم بأنهم «مُعادون للعولمة»، فهي في نظرهم السبب الرئيس في عدم المساواة الاقتصادية بين البلدان والأفراد، وتأثيرها واضح في الانكماش الاقتصادي الذي تعاني منه جميع البلدان تقريبا؛ فالبطالة، وغلاء المعيشة، واستئثار فئات محددة بثروات العالم، زادت من مستويات السخط الداخلي عالمياً. في ظل هذه الضغوط، تشعر الأقليات الإثنية بالقمع في الدول متعددة الجنسيات، فتميل إلى الانسحاب الطوعي من الدولة وحكومتها المركزیة، وإلى المطالبة بحقها في تقرير

المصیر في دولة صغيرة ذات سيادة.

قد تكون العلاقة السببية بين العولمة والنزعة الانفصالية معقدة، بحيث لا يكون من المجدي تحديدها كقضية وحيدة مسؤولة عن هذه التحركات. والحق أن التواصل بين بلدان العالم كان في صالح البشرية، وفي تقدم العلوم على مدى مئات السنين، كما أن حركات الانفصال لم تكن وليدة اليوم، فقد تبدل وجه الكرة الأرضية مرات عديدة في التاريخ القديم، وكان شاهداً في العصر الحديث على انفصال بنغلاديش، وأريتريا، وجنوب السودان. وإذا كانت الانفصالات ردة فعل للعولمة، فإن الانفصاليين لن يستطيعوا إلغاء العولمة بمجرد إعلان الاستقلال والسيادة. العولمة باقية كمحرك أولي للاقتصاد والعمل والتواصل والتكنولوجيا من خلال شبكاتها العالمية القوية والمتماسكة، وسواء كانت الدول كبيرة متحدة أم صغيرة مستقلة فإن النظام العالمي هو الذي سيدعمها، ويتحكم بأطرافها، ويفرض

عليها قوانينه.

وهناك أيضاً مسألة الأمن، فالانفصال يضعف الدولة الصغيرة ويعرضها لانتهاكات الدول الأكبر، ولن تتمكن من الاستنجاد بالحكومة المركزية التي ستهتز أيضاً لفقدان جزء من كيانها. في ظل العولمة يصبح المخرج الوحيد لتلك الدول أن تبحث عن أشكال جديدة من النظام الفيدرالي يحقق مطالب الأقليات بدلاً من تكاثر السيادات الصرفة والهشة.