«اطلبوا العلم ولو في الصين».. توجيه نبويِّ شريف بأنَّ العلم والمعرفة مشاعتان للجميع، يقصدهما الطالب حيثما وجدتا ولو كانتا في أقاصي عالمنا الكروي، وحتَّى في ملكوت الله الواسع برًّا وبحرًا وجوًّا. فعلى طلَّاب العلم والمعرفة ومن بأيديهم مقاليد إدارة شؤون البلاد والعباد، أن يبحثوا ويستقصوا ما في البلاد الأخرى. فالمسافات كما هو حالنا مع اليابان والصين وروسيا الاتِّحاديَّة شرق قارَّتنا الآسيويَّة وشمالها، وما تقدمه تلك البلدان من أبحاث وصناعات واختراعات بوسعها أن تضيف إلى رصيد أمَّتنا لتُمكنَّها من اللحاق بركب من سبقنا من الدول في تلك المجالات. لذا نجد إسهامات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- في مجالات التعاون والتقارب برحلته الميمونة إلى روسيا الاتحاديَّة؛ أوَّل زيارة رسميَّة لعاهل سعودي منذ قيام المملكة العربية السعوديَّة. اصطحب -حفظه الله- في زيارته هذه العديد من رجالات الدولة المتولِّين إدارة أهمِّ المجالات، والكثير من رجال المال والأعمال، وأكابر المختصين في التاريخ والأدب. فكانت الزيارة مهرجانًا سياسيًّا علميَّا اقتصاديَّا وثقافيَّا فريدًا من نوعه. فقد أعطى للعلاقات بين البلدين دفعة قويَّة للسير قدماً في التعاون الثنائي بما يعود بالخير العميم على شعوب روسيا الاتحاديَّة وشعب المملكة. كما أنَّه وثَّق علاقات الأخوَّة والمحبَّة في الله مع الجمهوريَّات المسلمة المنضوية تحت قبَّة الاتِّحاد الروسي، ممَّا سيقوِّي مركزها السياسي مع الحكومة المركزيَّة. فلأجداد هذه الشعوب المسلمة الفضل في تقبُّلهم الإسلام ونشره في أقاصي القارة الآسيويّة. وفِي التبادل التجاري بين شرق وشمال وغرب القارة بطرق الحرير الشهيرة التي وثَّقت علاقات الأخوَّة والجوار بين الشعوب الآسيويَّة كافَّة، وربطت آسيا بأوروبَّا، حيث الأسواق التجاريَّة للعطورات والبهارات والحرير الطبيعي. وحيث قام التبادل الأدبي من شعرٍ ونثر وتراجم وسرد لقصص التاريخ المشترك، وما قدَّمه كلُّ شعب لجيرانه شرقًا وغربًا وشمالًا في العديد من المجالات الإنسانيَّة. وكم عالمنا اليوم بحاجة إلى تبادل معرفي بين جميع الدول التي مرَّت بها طرق الحرير، وكانت طرقًا آمنة ومصدرًا غنيًّا لرفاهية الشعوب وازدهارهم.

الأمل بالله كبير بأن تكون إنجازات هذه الرحلة الملكيَّة إلى روسيا، وما تمَّ توقيعه من اتِّفاقيَّات، ستأخذ مجرى التنفيذ سريعًا بما يعود بالنفع على البلدين وشعبيهما. والله من وراء القصد.