عندما تمكن الدواعش من اجتياح الرقة في سوريا والموصل في العراق، قال الرئيس الأمريكي السابق أوباما، إن طرد داعش من معاقلها في سوريا والعراق يحتاج إلى سنوات، وبدا أوباما دقيقاً وصريحاً حين اعتبر أن الهدف النهائي للحرب ضد داعش هو « الحد» من خطورتها. لم يستخدم رئيس القوة العظمى القائدة للنظام الدولي عبارات من نوع « القضاء على الإرهاب» أو « اجتثاث جذور داعش» فتلك العبارات المطلقة في المنطق، والمستحيل قياسها في السياسة، لا وجود لها في لغة الدبلوماسية الأمريكية.

بذات الروح البراجماتية، يتعامل الأمريكيون مع الملف الأفغاني، منذ غزو أفغانستان وحتى الآن، فلا يمانع الأمريكيون في دفع إتاوات مالية ضخمة لقيادات طالبان، التي تحملها واشنطن مسؤولية الإرهاب.

وهناك شركات أمريكية مثل بلاك ووتر تجني أرباحاً هائلة في أفغانستان ، مقابل تأمين قوافل إعادة الإعمار في أفغانستان ضد هجمات طالبان. كل ما تفعله بلاك ووتر هو أنها تدفع رواتب بالملايين لعناصر أفغانية على صلة بطالبان، تقوم بدورها بدفع بضعة ملايين لقيادات طالبانية لقاء التعهد بعدم مهاجمة قوافل تنقل مواد إعادة الإعمار لصالح شركات مقاولات قبلت القيام بتلك المهام المحفوفة بالمخاطر، بعد تعهدات أمريكية بتأمينها وتوفير الحماية لها.

الطريف أن شقيق الرئيس الأفغاني السابق حميد قرضاي كان أبرز سماسرة صفقات الأمن مع طالبان التي تخوض حكومة كابول والقوات الأمريكية حرباً ضدها على الأرض، وقد حقق شقيق قرضاي ثروة طائلة جراء انخراطه في بيع صفقات الأمن لشركات أمريكية تنفحه بعشرات الملايين من الدولارات كل عام.

غادر أوباما البيت الابيض بعد ثماني سنوات ، دون أن يتمكن من الوفاء بوعده بالانسحاب من أفغانستان، وخلفه الرئيس دونالد ترامب، الذي انتقد سياسات أوباما بحدة، لكنه فيما يبدو عازم على مواصلتها تحت عناوين جديدة.

الهدف الذي تبنته إدارة ترامب بشأن أفغانستان، بدا واقعياً، فلم يعد يتحدث لا عن انسحاب غير ممكن، ولا عن نصر مستحيل. إدارة ترامب تستعد للتعايش مع طالبان أقل تهديداً للمصالح الأمريكية.

وطبقاً لما قاله وزير الدفاع الأمريكي ماتيس، ورئيس الأركان جوزيف دانفورد، أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأمريكي، فإن هدف واشنطن في أفغانستان بات أكثر واقعية، فهو لا يتحدث عن تدمير طالبان، وإنما عن إقناعها بأنها لا يمكن أن تنتصر.

عنوان الهدف الأمريكي في أفغانستان إذن ، بات اعترافاً بعدم قدرة واشنطن على إحراز انتصار نهائي ضد طالبان، ورهان إدارة ترامب بات على إمكانية التعايش مع طالبان وفق شروط جديدة، لا تكبِّد الخزانة الأمريكية المزيد من الأموال، ولا تغامر بأرواح جنود أمريكيين في حرب باتت واشنطن مقتنعة بعدم القدرة على كسبها.

أمريكا لن تخوض الحرب ضد طالبان نيابة عن حلفائها، لكنها ستدعمهم بالخبراء وبالقصف من الجو إذا اقتضى الأمر، وبإقناع حلفاء آخرين بتقديم الدعم لهم. وهي أيضاً لن تضع هزيمة طالبان هدفاً لحربها، فقد أصبح الهدف أكثر تواضعاً بكثير، وبات عنوانه أن طالبان لن تنتصر لكنها أيضاً لن تنكسر.

عنوان الهدف الذي وضعته إدارة ترامب لحربها أو لورطتها في أفغانستان، يثير شكوكاً عميقة، حول إستراتيجية أمريكية محددة للتصدي للتهديدات الإيرانية لمنطقة الخليج، وسط كلام كثير عن اعتزام إدارة ترامب التراجع عن الاتفاق النووي مع طهران. فمنهج ادارة ترامب في أفغانستان يقترب من فكرة التعايش مع الخطر بديلاً عن التصدي له، وهو يحتاج الى طهران من أجل تقليص المخاطر ضد القوات الأمريكية في أفغانستان، ثم انه لا يميل الى تصفية التهديدات، وإنما إلى إدارتها واستثمارها ، أو الى تقليصها في أحسن الأحوال.

أمريكا في أفغانستان تدفع رواتب قيادات طالبان عبر وسطاء من الحكومة الأفغانية ذاتها، مقابل شراء الأمن لشركات أمريكية تعمل على الأرض سواء في برامج إعادة الإعمار أو في برامج إقامة بنية تحتية أمنية أو عسكرية لقوات حكومية أفغانية.

عناوين السياسة الأمريكية تجاه داعش في سوريا والعراق تتحدث عن « تقليص وجود داعش» وليس عن « تصفية وجود داعش» وفي أفغانستان تتحدث عن تيئيس طالبان من إحراز نصر نهائي وليس عن إلحاق هزيمة بها. هذه العناوين في مجملها تعكس ميلاً لإدارة المخاطر وليس للمواجهة معها، وهو ميل لا يمنح ما يكفي من الطمأنينة لأصدقاء الولايات المتحدة في المنطقة، الذين يستشعرون تهديدات إيرانية حقيقية ومحدقة، ويتطلعون الى التزامات أمريكية أكثر صرامة تجاه طهران، وأكثر وضوحاً تجاههم.