الاقترَاب مِن الشَّيء بصُورةٍ مُستمرّة، تُفقِد إحسَاسنَا بِهِ، وتُقلِّل مِن أَهميّته عِندَنَا، وقَديمًا قَال الفُقهَاء: (كَثرة المَسَاس تُقلِّل الإحسَاس)، بمَعنَى أَنَّك إذَا لَمِسْتَ الشَّيء باستمرَار، فَقَدْتَ مُتعة الإحسَاس بمَلمسهِ ولَمسه..!

دَعونَا فِي الأَسطُر البَاقية مِن هَذَه الكِتَابَة؛ نَتأمَّل بَعضًا مِن قصَص ذَلك المَسَاس، الذي يَجعلنَا نَشعُر بالزُّهد بالأشيَاء القَريبَة مِنَّا، أَو التي نَمتلكهَا، أَو مَا حَولنَا.. لقَد قَالوا قَديمًا: «إنَّ زَامِر الحَي لَا يُطرب»، ويَبدو أَنَّه لَا يُطرب فعلًا، لأنَّ النَّاس اعتَادوا عَلى صَوتهِ، فأَصبَح مُملًا تَافِهًا عَاديًا..!

أَكثَر مِن ذَلك، يَقول الأُدبَاء - مُوضّحين قِيمة الأَديب عِند أَهله-: (أَزهَد النَّاس فِي الأَديب أَهله)، لأنَّهم يَرونه صَبَاح مَسَاء، لِذَلك لَم يَعُد شَيئًا نَادر الحضُور، وقَوي الإبهَار..!

بَعد كُلّ هَذه الأَدلَّة، دَعونَا نَضع الاحتمَالَات، لنَفهم لِمَاذَا يَحدث كُلّ هَذا التَّجَاهُل الغَريب؛ لزَامِر الحَي والأَديب؟. يَبدو أَنَّ الأَمر لَا يَخلو مِن ثَلَاثة احتِمَالَات: الاحتمَال الأَوَّل: أَنَّ الأَديب وزَامِر الحَي تَنقصهمَا المَوهبَة، وبالتَّالي لَا يَعبَأ بِهمَا أَحدٌ، فاختَرعَا مِثل هَذه المَقولَات، ليَسدَّا بِهَا مَا نَقص مِن مَواهبهم..!

الاحتمَال الثَّاني: أَنَّهم قَد يَكونون مَلّوا مِن بِضَاعة الزَّامِر والأَديب، ولَا عَجَب فِي ذَلك، فالتِّكرَار يُصيب النَّاس بالمَلَل..!

والاحتمَال الثَّالِث -وهو الأَقرَب إلَى النَّفس-: أَنَّ جَمَاعة الحَي وأَهل الأَديب؛ يَعرفون زَامرهم وأَديبهم مُنذ الصِّغَر، و»المُعَاصرة حِجَاب» كَمَا يَقول الفُقهَاء، فلَا يَرون تِلك المَزايَا؛ التي فِي الأَديب وفِي الزَّامِر، وقَديمًا قَال أَهل نَجد –

عَليهم سَحَائِب الرَّحمَة-: (مَن عَرفك صَغيرًا، حَقَّرك كَبيرًا)، وأَظنُّ الاحتقَار للأَديب؛ جَاء بسَبَب مَعرفتهم بِهِ مُنذ الطّفولَة..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي أَنْ أَذكُر لَكُم، أَنَّ زُملَائي فِي الطّفولَة، وأَهلِي وأَقَاربي، لَم يَزهدوا بِي، ومَازَال زَامري يُطربهم، فشُكرًا لَهم.. مَع أَنَّني مِثل «نجيب محفوظ»، الذي كَان يَتظَاهر بأنَّه إنسَان عَادي مَع أَولاد حَارته، ليَشعروا بأنَّه وَاحِد مِنهم، حَتَّى أَنَّ العَالَم كُلّه عَرف نَجيب الأَديب، وبَقي البُسطَاء -مِن حَوله- يَجهلون مَكَانته الأَدبيَّة، بَل هو مُجرَّد مُعلِّم عَادي، فِي مَدرسة عَادية بالنِّسبَةِ لَهم، وذَات مَرَّة، رَآه أَحَد أَصدقَائه فِي التّلفزيُون صُدفَة، فقَال لَه: «مَاذا كُنتَ تَفعَل فِي التّلفزيُون يَا أُستَاذ نَجيب؟، هَل كَانت المُقَابلَة تَخصُّ التَّعليم»؟.