الفقر ظاهرة عالمية وهو موجود منذ الأزل في الدول الغنية والفقيرة على حدٍّ سواء، وفي أنحاء الدنيا جميعا، وعندما جاء الإسلام حاول أن يُهذِّب سلوكيات الناس، ويضع بعض النظم التي تنظم العلاقة بين الأغنياء والفقراء، حيث حثّ الأغنياء والقادرين على العطاء ممن أغناهم الله من فضله، بأن يمدوا يد المساعدة للفقراء والمحتاجين ورقيقي الحال دون منٍّ أو أذى، كما مقت الإسلام التسول والإلحاح في طلب المال بطرقٍ مشينة وأساليب مستهجنة، مثل التعرض للناس عند إشارات المرور، أو في المساجد، وعند أبوابها، أو المجمعات التجارية الكبيرة، أو عند أبواب المستشفيات.

وقد ابتلينا بهذه الظاهرة الممقوتة التي تسيء لبلادنا كثيرا، وتعطي انطباعا غير لائق لزائري المملكة، بما يقوم به هؤلاء المتسولون، رغم أن معظمهم من الوافدين، أو الذين دخلوا البلاد بطرقٍ غير مشروعة، ووجدوا في هذه المهنة مغانم كثيرة، وطرق سهلة لجمع الكثير من المال، وهو عندهم أفضل بكثير من العمل المهني الحر، أو الكسب المشروع بعيدا عن مد يد التسول المقيتة.

الأدهى من ذلك هو طلب المال بإلحاحٍ شديد، والتعرُّض للناس في وسط الطريق، وحول مواقف السيارات، وللذاهبين للصلاة والخارجين منها، ومثال ذلك: العمالة القائمة على نظافة الساحات الخارجية للحرمين الشريفين، وأخصّ المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم، فهذه العمالة لا همَّ لها سوى جمع المال، وترك ما أُوكل إليها من أعمال، وبذلك عطّلوا أعمالهم الحقيقية، وهي النظافة الدائمة لساحات الحرم والالتفات إلى تحصيل الأموال من مرتادي الصلوات، بل تعدَّى الأمر إلى أن بعضهم يتعرض لك (بالمقشة) التي يجمع بها الزبالة من أجل أن يحصل على المطلوب، وهي طريقة لا يُحبِّذها الكثير من الناس، ويعزفون عن التصدُّق على أمثال هؤلاء الذين يسألون الناس إلحافا.

إن مجتمعنا مجتمع طيب وتحكمه العاطفة وحب مساعدة الآخرين ومد يد العون والمساعدة لكل مَن يطلبها، مستحق وغير مستحق، من باب التقرُّب إلى الله، وبذلك فقد استمرأ هؤلاء مهنة التسول الممقوت الذي زاد عن حدِّه، والذي يتعارض مع تعاليم ديننا الحنيف، فهناك عدة فتاوى من هيئة كبار العلماء في بلادنا بعدم إعطاء هؤلاء المتسولين أي مبالغ مالية أياً كان نوع التسول أو طريقة وأسلوب مثل هذا التسول، بل البحث عن مستحقي الصدقة المستحقين، أو المتعففين الذين لا يسألون الناس إلحافاً، الذين قال الله فيهم: «تحسبهم أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم».. (البقرة 273).

نأمل من الجهات المختصة بملف التسول، ومن إدارة مكافحة التسول أن تولي هذا الأمر جل اهتمامها للقضاء على هذه الظاهرة، التي تُسيء لسمعة بلادنا بهذا التصرف غير اللائق، وأن تمنع هؤلاء المتسولين من ممارسة هذا العمل الممقوت الذي لا يقرّه مجتمع، ولا دين ولا عرف.