على ما يبدو أن آفة الهياط التي يقصد بها لغوياً كثرة الجلبة والصياح والتفخيم والمبالغة في المدح للذات أو الذم للغير لأمر ما بغرض الإثارة أو لفت الانتباه أراها قد استشرت في مجتمعنا بدرجة لافتة وغير مقبولة ومثيرة للسخرية والاشمئزاز ،وساهم في تناميها واتساع دائرة انتشارها برامج التواصل الاجتماعي التي أراها - أي برامج التواصل الاجتماعي - في مجتمعنا تحديداً قد استُخدمت كثيراً في غير محلها، وعلى ما يبدو أن جين العصر الجاهلي لازال خامداً في داخل البعض من أفراد مجتمعنا وقد استظهره البعض حيث أني أجد بسببهم حالة تشابه بين المرحلتين الزمنيتين مع اختلاف الأدوات وأساليب التبليغ ،حيث تمثلت في العصر الجاهلي في الخطب والقصائد الحماسية التي كانت تذرف بالمديح والتفخيم والمبالغة التي لاتمثل الحقيقة ولعل أبرزها على سبيل التمثيل لا الحصر ما كان يعلق على جدران الكعبة من أشعار كمعلقة عمرو بن كلثوم التي أستقطف منها هذه الأبيات :

ونحنُ الحابسُون بذي أراطى تسفُ الجلةُ الخُور الدرينا

ونحنُ الحاكمُون إذا أُطعنا ونحنُ العازمُون إذا عُصينا

ونحنُ العاركون لما سخطنا ونحنُ الآخذُون لما رضينا

وكم هي الأمثلة على ذلك الهياط الشعري المبدع فنياً كثيرة، قد نجد الكثير منها في ديوان الفخر والحماسة ، وكل ذلك كان يحدث في ظل حالة من الجهل والقتل والنهب والسلب الذي كانت تعيشه القبائل العربية في تلك الفترة ، وكان السمة البارزة لها دون وجود أي منتج حضاري يسجل لهم غير سفك الدماء والهياط بذلك .وكانت الأمم المتقدمة من حولهم تعلم تلك السمة فيهم وتردده كما في حالة الرجل الذي جاء لملك الروم وسأله من أنت ؟ فقال أنا رجل أبني الدار وأعز الجار وأحمي الذمار وأزاحم الجبال وأنازل الرجال قليل المال عزيز العيال، فقال الملك : لولا أنك رجل من العرب لقلت أنك نبي ،لكنكم معاشر العرب قوم تفخمون .

ثم جاءت الرسالة المحمدية لتكون الأنموذج الرباني القويم لإصلاح ذلك الحال السقيم الذي كان عليه العرب فاستقام المجتمع سلوكاً ومعاملة اتباعاً لتعاليم القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية المطهرة كقوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ»

وقوله صلى الله عليه وسلم عن العصبية القبلية :» دعوها فإنها منتنة «.

لكن الحال بعد ذلك تغير فهاهو التاريخ يعيد نفسه حيث نرى ذلك يتمثل فيما يقوم به البعض من ممارسات تتسم بالمبالغة في التفاخر بالقبيلة والعائلة أو بما يقوم به البعض من ممارسات التبذير والإسراف في الموائد والمناسبات أو المال أو الأنعام تفاخراً فارغاً ثم يقوم بنشرها عبر برامج التواصل ليراها القاصي والداني من مختلف الأقطار مما يعطي صورة مشوهة لمجتمعنا أمام المجتمعات الأخرى وهو ما يدفع بالحاقدين الى استثمارها كجانب سلبي يعمم على المجتمع برمته ،وهذا غير صحيح البته، ويقيني أن ذلك يؤكد ضعف وتدني الجوانب التربوية لمؤسساتنا التعليمية والإعلامية التي أرى البعض منها شارك في تلك المهازل المهايطية.

وفي الختام كم أتمنى أن يتم سَنُّ تشريع يتضمن أنظمة صارمة لكل من يمارس سلوكات الهياط المبالغ فيه والذي يتنافى مع تعاليم ديننا الحنيف ويعطي صورة مشوهة لمجتمعنا أمام المجتمعات الأخرى . والله من وراء القصد.