أواصل الحديث عن صحف الحديث التي كُتبت في عهده عليه الصلاة والسلام، وبإذنه:

9. كتبه صلى الله عليه وسلم إلى أمرائه وعماله: فيما يتعلق بتدبير شؤون الأقاليم الإسلامية وأحوالها، وبيان أحكام الدين، وهي كتب كثيرة تشتمل على مهمات أحكام الإسلام وعقائده، وبيان الأنصبة والمقادير الشرعية للزكاة، والديات والحدود والمحرمات وغير ذلك، ومن هذه الكتب

أ. كتاب الزكاة والديات الذي كاتب به أبوبكر الصديق وأخرجه البخاري في صحيحه، فقد روى أبوداود والترمذي أنّه عليه الصلاة والسلام كتب كتاب الصدقة فلم يخرجه حتى قبض.

ب. كتابه لعمرو بن حزم عامله على اليمن، بيّن فيه أصول الإسلام، وطريق الدعوة إليه، والعبادات وأنصبة الزكاة والجزية والديات، وقد أخرجه أبوالقاسم في كتابه الأموال، ويقع في أكثر من ورقة، وهذا صدره: أخرج أبوعبيدة بإسناده عن محمد بن عبدالرحمن الأنصاري، قال: «لمّا استخلف عمر بن عبدالعزيز، أرسل إلى المدينة يلتمّس كتابه عليه الصلاة والسلام في الصدقات، وكتاب عمر بن الخطاب، فوجد عند آل عمرو بن حزم كتابه عليه الصلاة والسلام إلى عمرو بن حزم في الصدقات، ووجد عند آل عمرو كتاب عمر في الصدقات، مثل كتابه صلى الله عليه وسلم، قال: فنُسِخا له، وكتب أخرى له عليه الصلاة والسلام.

ج. كتابه إلى وائل بن حجر لقومه في حضرموت، وفيه الأصول العامة للإسلام، وأهم المحرمات.

10. كتبه إلى الملوك والأمراء يدعوهم فيها إلى الإسلام: ككتابه إلى هرقل ملك الروم، وإلى المقوقس بمصر، وغيرهم .

11. عقوده ومعاهداته التي أبرمها مع المشركين: كصلح الحديبية، وصلح تبوك، وصحيفة المعاهدة التي أُبرمت في المدينة بين المسلمين وبين من جاورهم من اليهود وغيرهم.

12. كتب أمر بها عليه الصلاة والسلام لأفراد من أصحابه لمناسبات ومقتضيات مختلفة: مثل كتابة خطبته لأبي شاهٍ اليماني.

13. وخطب الجمع، وخطبته في حجة الوداع.

وغير ذلك، وهو كافِ لإثبات تواتر الكتابة في عهده عليه الصلاة والسلام، وإثبات أنّ ما كتب في عهده تناول قسمًا كبيرًا من حديثه، هو أهم هذه الأحاديث وأدقها لاشتمالها على أمهات الأمور، وعلى أحكام دقيقة تتعلق بالأرقام تحتاج إلى ضبط دقيق، مما يجعل الكتابة عنصرًا هامًا في حفظ الصحابة للحديث، ينضم إلى العوامل الأخرى ليدعمها ويؤازرها في تحقيق تحمل الصحابة للحديث النبوي تحملًا حافظًا أمينًا كافلًا بأن يؤدوه بعد ذلك كما سمعوه منه.

وهذه الصحف التي كُتبت في هذه الفترة قد استوعبتها كتب أئمة السنة المشهورة بيننا. مثل صحيحي البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، وابن ماجه، ومسند الإمام أحمد بن حنبل، ورغم استيعاب كتب الأئمة هذه الصحف، فما زال الكثير منها موجودًا كما هو في دور الكتب والوثائق.

أمّا عن تسريب الإسرائيليات في كُتب الحديث، فيعود إلى الوضع الذي كان في سنة (40)ه أعقاب الفتنة.

هذا، وبالله التوفيق.