لا يملك أي عاقل عربي أبيٍّ وهو يرى العراق يعود لحضن العرب، إلا أن يرش على باب الجامعة ماء ورد.. إنها ساعة «سعد».

والحق إن الحب العربي للعراق وحب العراق لأمته لا يمكن أن يضمحل أو يتبدد أو يزول.. إنه رباط المجد والانتماء منذ زمن طويل.. ليس في فصل اقتصادي معين، كما قد يعتقد البعض، ولا في ظرف سياسي معين، كما يتصور البعض.. وإنما في كل الفصول.

سيقولون لك إنها الخريطة الجديدة والتقسيمة الحديثة ونحو ذلك من خيال.. فقل لهم إن ما يجمعنا بالعراق، وما يجمع العراق بنا ثابت وراسخ مثل جذور النخيل.. وكل طارئ أو حاقد أو ناقم أو مستغل مصيره الرحيل!.

آسف للسجع غير المقصود الذي قد يسميه بعض الزملاء الأعزاء شعرًا مثلما وصفه الكاتب المرموق عبدالعزيز السويد تعليقًا أو تغريدًا على مقالي السابق عن التخت الكويتي الذي قدم لحنًا عربيًا شرقيًا في مؤتمر البرلمانيين الدوليين.

بل إنني أرى أننا طالما كنا في مقام العراق فنحن في مقام الشعر، وفي حضرة الشعراء العرب العظام من المتنبي إلى أصغر شاعر مرورًا بالسياب والبستاني والحيدري والزهاوي والبياتي والجواهري والرصافي ونازك الملائكة ومئات غيرهم.

ولأنني في مقام كهذا أقول: إن لنا في العراق واقعًا ومستقبلاً سعيدًا.. ولنا في الماضي «هشام» و»زياد» و»وليد».. ولنا الأحنف والجاحظ والنواسي وعذب النشيد.

لنا في العراق ومع العراق تراب الحدود.. ولنا النخيل الباسق وشط العرب.. ولنا في كل سنبلة هناك ألف حب وألف خصب يبدد ما كان من عتب ومن غضب.

ولنا في نخل العراق كذلك طلح نضيد.. إنه النخل الذي وقف صامدًا ومتحديًا للرصاص، وممتشقاً ذات يوم سيف ابن أبي وقاص.

لنا في العراق الرصافة؛ ونحن أجدر في حبه بعد العراقيين بالوصافة.. ولنا ميسان والقادسية والأعظمية والعراقة البابلية.

ومهما يكن من أمر بل مهما كان ومهما خطط أهل الايوان؛ لا يمكن أن يتنكر قحطان لعدنان أو حتى المنذر لغسان.. لا يمكن أن يبقى مضر وحده وكذا نزار وغطفان.

لا يمكن أن يستمر الحال العربي كما هو عليه الآن؛ مهما تآمروا ومهما اخترقوا أو عبثوا في الشام!.

سيخيب يقينًا من العرب من ولّوا وجوههم شطر الإيوان.. وسيخيب من المسلمين من جعلوا قبلتهم طهران.

سيخيب كل من ظنوا أنهم اغتنموا دجلة في العراق وسيفتحونه على الفرات في سوريا؛ وسيخيب كل من توهموا تنفيذ أو تطبيق خريطة «من النيل الى الفرات».

يومًا ما ستنطفئ الحرائق؛ وستتبادل عواصمنا العربية من جديد فسيلات النخيل وزهر الحدائق.

يوماً ما سينكشف كل السماسرة واللصوص وستخرج أزهار الأمل العربي من ثغر صبح ذبيح.

بيننا تاريخ ومصير.. رحم ودم.. فلتخرجي صوتك يا بغداد وتزعقي في الكون.. عاصفة من الحب للعرب.. عاصفة من الجنون.. تبدد هذا السكون.. وتغير اتجاه الريح وشكل المهرجان.

إنها أمة عربية عذراء تتمسك بالأمل.. رغم موجات التشرذم والغضب.. رغم نوبات التأوّه والتعب.. إنها الأمة التي عوّدتنا أن يخرج منها كل فترة من يصيح: اخرج أيها القاتل.. كلنا إخوة.. كلنا عرب.

صه! بغداد تصرخ الآن مرددة: أنا بغداد العرب فاشدد بلحنك يا وتر.. الحب يجمعنا فلتطمئن يا مضر.. ستعود صنعاء عربية.. وإن طال السفر.