ممتنٌّ لهذه المادة التي تدرّس في المرحلة الابتدائية، ومع ذلك كنت أنفر منها -رغم التفوق- بسبب التكرار، وانعدام التجديد والإبداع.

اليوم فقط تبيّنتُ سبب العقدة لدرجة أني افتقدتُ أيام إملاء المدارس وتمنيتُها!

كان الأستاذ يملي عليك أحرفًا، ثم كلماتٍ، ثم جملا صغيرة، وكبيرة مرات أخرى، وفي نهاية المرحلة يملي عليك قطعة طويلة وأنت تكتب بعد أن تسمع.

لم يكن الإملاء يومًا يسبب حرجًا أو ضيقًا أو ضغطًا لا سمح الله! لأنه مهما بلغ لا يعدو كونه روتينًا مزعجًا للمتفوقين والمهملين وحتى الضعاف من الطلاب الراغبين في التعليم بسبب التكرار والملل. ومن باب أولى الموهوبين.

والحال يقول أن بعض المعاصرين الهاربين من حصص الإملاء، يبغون تعويضًا عن تلك الحصص، ولكن بتبادل الأدوار.. فتراهم يُملون -وباستمتاع بالغ- على (أقرانهم) وزملائهم كل شيء، بدءًا من ضرورة تطوير أنفسهم إلى طريقة اللبس ومتى يضحكون، ومن يصاحبون؟ وكيف يشربون؟

ويستغرب هؤلاء الممارسون كيف يملّ مدرس الإملاء من هذه الوظيفة الممتعة التي تحقق رضا ذاتيا غير عادي لدى ممارسها الذي يرى نتائج فورية عند من يملي عليهم، ويتمتّع بتقلباتهم وامتعاضاتهم أحيانًا دون جرأة على الردّ!

حين وُجِد الإملاء لتعليم الكتابة كان من الطبيعي أن التكرار يعلم أغبى الأبقار، مما أبقى هذه الوسيلة إلى يومنا هذا كطريقة من طرق التدريس؛ لكن تصوّر أن يوجد من يملي عليك كل يوم كيف تعيش؟ يمسك لوحة ويكرر عليك:

- أنت في المسار الخاطئ

- افعل ولا تفعل

- صادق واهجُر

- غيّر شخصيتك على النحو الآتي:

لا تستغرب.. هؤلاء منتشرون اليوم في كل قطاع.. وكل حارة.. ويجدون تلامذة جاثين على ركبهم حاصلين على علامات عالية في طلبهم لمادة الإملاء، راكعين لأساتذتهم الذين يملون عليهم ولا يقبلون بغير الركوع والخنوع -وهذا لا يجوز- وفي كل الأحوال تجد هؤلاء الطلبة نافرين من المنطق والحساب! وكذا معلموهم! فحرام عليّ أن أملي على أحد إلى يوم الدين!.