من ذكريات طفولتي، وما كان لرغد العيش في المدينة المنوَّرة، بعد توديع ضيوف الرحمن عقب مواسم العمرة ورمضان والحج، متَّسعًا من الوقت نقضيه في البلاد (المزارع) بين الخضرة والماء ووجوه الأهل والأقرباء من حولنا، وما قد يصاحبها من جلسات سمر وطرب، أثمرت عند فتح المجال للإذاعة والتلفزيون بتقديم وجوه فنيِّة طربيِّة وكتَّاب أغنيات وملحنين! لم تكن سهلة في البداية لتشدُّد المتمسِّكين بفتوى سدِّ الذرائع.

أذكر وأنا دون العاشرة من العمر أن دعا جار لنا جيرانه في الحي على تعتيمة مساء يوم خميس لمشاهدة جهاز الراديو الذي أحضره سرًّا من القاهرة. لبَّى الجميع تلك الدعوة، وغالبيَّتهم في شوق لمشاهدة هذا الجهاز.. اكتمل عدد الحضور بعد صلاة العشاء، ورفع الستار عن جهاز الراديو الضخم وبجانبه صندوق أكبر حجمًا منه بداخله بطارَّيتان كبطاريَّات السيَّارات. أدار الجار جهاز الراديو الساعة الثامنة مساء، لينطلق منه صوتُ: هنا القاهرة، ثمَّ تلاوة من الذكر الحكيم للمقرء الشيخ محمَّد رفعت. بعد نصف ساعة نشرة أخبار عن أحداث البلدان المجاورة والعالم. ومن بعد، تحَّلقنا حول سفرة الطعام، وعليها أطباق التعتيمة التي تجاوزت العشرين ما بين حادق ومالح، وشريك ولحوح وتميس مع براريد الشاي الأسود والأخضر. ودار حديث عن سرِّ هذا الجهاز، وكيف يلتقط الصوت من إذاعات الدول المجاورة وسط دهشة بعض الحضور.

قاربت الساعة العاشرة مساء، فاصطحبنا الجار نحن الصغار إلى الزقاق، ووزَّعنا على طول الزقاق وما تفرَّع منه، طالبًا أن يصفِّق أيُّ منَّا يرى المطاوعة، ثمَّ الآخر الذي يسمعها وهكذا لتصل الصفقة داخل البيت. مع أنَّنا لم نفهم السبب استجبنا للأمر. مع منتصف الليل سمح لنا بالعودة إلى المنزل لنعرف أنَّها كانت أمسية سيِّدة الطرب العربي أمُّ كلثوم. وكانت الخشية من خروج الصوت إلى الزقاق وسماعه من منسوبي الهيئة، وما سيتبع سماعهم لصوت الراديو من عقوبات من بينها تكسير الجهاز.

أذكر اليوم هذه الواقعة وقد تابعت بتقدير جهود هيئة الترفيه وما قدَّمته علنًا من حفلات طربيَّة ساهرة بمناسبة اليوم الوطني للمملكة، نالت رضا غالبيَّة أطياف المجتمع السعودي واستحسانهم، واغتنام الفرصة لإقامة حفلات طربيَّة خاصَّة يحييها المشاهير من المطربين والمطربات يعود ريعها لأعمال الخير. ثمَّ ما تبعها من السماح للمرأة السعوديَّة بالألعاب والمسابقات الرياضيَّة داخل المملكة وخارجها، ممَّا أضاف المزيد من استحقاقات السعوديَّات في مشاركة الرجل العديد من التخصُّصات. قد تكون هذه الخطوات الإصلاحيَّة المتسارعة لم تنل استحسان العديد من دعاة سد الذرائع! وهو نهج كان مقبولًا قبل ثورة المعلومات. أمَّا اليوم، وقد قاربت وسائل الاتِّصال والتواصل ما بين الأمم، ونقلت لهم ما يجري في العالم من أحداث على تنوُّعها صوتًا وصورة وقت حصولها، فقد بدأت مسيرة ترميم البناء وتحديثه بما يتناسب مع القيم ومكارم الأخلاق ولا مجال لتوقيف عقارب الساعة.