* لم تكن حركة جهيمان؛ وأحداث الحرم الشهيرة (نوفمبر 1979) هي ما استدعت سمو ولي العهد إلى الإشارة صراحةً وبكل شجاعة إلى ذلك العام تحديداً؛ كعام مفصلي؛ ونقطة تحوُّل كبيرة في تاريخ المملكة العربية السعودية الحديث. صحيح أن ما قامت به (الجماعة السلفية المحتسبة)!! من انتهاك لقدسية الحرم، وخروج -غير مسبوق- على إجماع الأمة، يمثل أولى صدمات حركات الإسلام السياسي داخل السعودية، وأول اصطدام لتلك الجماعات المتشددة مع المجتمع ومع مفهوم الدولة الحديثة، لكن ما تبع ذلك الزلزال من تداعيات فكرية وعقدية واجتماعية ونفسية، وما صاحبه من صعود مفاجئ لأيديولوجيات متشددة أثّرت بقوة في نسيج المجتمع السعودي المتناغم جداً آنذاك، وغيّرت الكثير من ملامحه واتجاهاته وعلاقاته الداخلية والخارجية، وصلت حد وحدته ولحمته الداخلية، كان أمراً أخطر بكثير -في رأيي- من أحداث الحرم نفسها/ على خطورتها وأهميتها!.

* دراسة ما حدث للمجتمع السعودي من تحولات كبرى جمّدت المجتمع السعودي وأعاقت نموه، وأضاعت من عمره أكثر من ثلاثين سنة في الجدل الفكري والمذهبي غير المثمر، هو عين ما قصده سمو ولي العهد بإشارته الذكية لأحداث ذلك العام العجيب، خصوصاً أن هذه الأحداث -التي هزت المجتمع السعودي من أقصاه إلى أقصاه- تزامنت بشكلٍ عجيب وغريب مع العديد من الأحداث في المنطقة، مما ساهم في تسريع اشتعال المنطقة أيديولوجياً وتغيرها؛ وقل إن شئت انقلابها بالكامل، بدءاً بظهور التطرف الشيعي وفرق الإرهاب في إيران على يد الخميني (فبراير 1979)، مروراً بتوقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل التي زلزلت المنطقة في مارس من العام نفسه، محدثة جدلاً سياسياً وفقهياً لم ينتهِ حتى باغتيال السادات نفسه.. وليس انتهاء بالغزو السوفييتي لأفغانستان الذي خلق بمساعدة أمريكية مستنقعات للإرهاب، ومصائد للشباب لصالح الجماعات الراديكالية على يد عبدالله عزام وأسامة بن لادن، وهي مستنقعات لم تجف مياهها حتى اليوم!.

* حتى وإن لم تكن بلادنا الدولة الوحيدة التي تأثرت بأحداث العام (1979) ومفارقاته الغريبة؛ (كتبت عنها مقالاً مفصلاً نشر في هذه الصحيفة بتاريخ 9/6/2015، إلا أنها كانت الأكثر تضرراً من الناحية التنموية والاجتماعية، ويمكننا القول إن المال والعنف والدين المسيّس كان الثالوث المسيّر لمعظم أحداث العام 1979، فالأيديولوجيا المتطرفة التي نقلتها جماعات الإخوان، والأموال التي أغرقت المنطقة بعد حرب 73 كان لها الدور الأكبر في تمكين جماعات الإسلام السياسي الباحثة عن القوة والنفوذ كالقاعدة وحزب الله وغيرها من المنظمات التي تنتهج العنف باسم الدين، والتي زاد نفوذها بشكلٍ كبير مع صعود الثورة الإيرانية ومع تزايد أعداد القادمين من خنادق وكهوف أفغانستان.

* على أية حال.. تظل الأخطاء جزءاً مهماً من الصيرورة التاريخية للمجتمعات، ويظل السؤال الأهم هنا كيف تتفاعل معها المجتمعات، هل يكون المجتمع فاعلاً تاريخياً؛ وصانعاً للحدث، أم مجرد خاضع له. ولاشك أن شجاعة الأمير محمد بن سلمان في القول صراحة: « لن نضيع 30 سنة أخرى من حياتنا في التعامل مع أي أفكار متطرفة، وسنعود للإسلام الوسطي المعتدل المنفتح» هو تفاعل وتطور؛ ووعي تاريخي مهم، وبُشرى لجميع المواطنين بمجتمع سعودي يعيش داخل نطاق التطورالإنساني لا خارجه، وهي بشرى لا تقل عن بشرى تدشين (نيوم) أكبر مشروع اقتصادي في العالم، إن لم تفُقها.