في مسألة عروبة القدس ينبغي ألا يغيب عن الذهن أن ثمة طرفاً عربياً مسيحياً يتمسك بالمقدسات المسيحية هناك وفي مقدمتها كنيسة القيامة ويدافع عنها دفاعه عن أرضه وشرفه.

مناسبة هذا الحديث أو المقال ما نشرته جريدة « الحياة» أول أمس عن تظاهر المئات من فلسطينيي ٤٨ في مدينة حيفا ضد تسريب الأوقاف الأرثوذكسية الى دولة الاحتلال الإسرائيلي.

وقد رفع المتظاهرون لافتات ورددوا شعارات تطالب بعزل البطريك ثيوفيلوس وزبانيته. كما ردد المتظاهرون الفلسطينيون المسيحيون والمسلمون شعار « ياللعار ياللعار..يا عبيد الدولار»مطالبين بعزل البطريك وعزل المجمع الأرثوذكسي.

والذي أعرفه أن البابا تواضروس الثاني بطريك الكنيسة الأرثوذكسية المصرية وبابا الإسكندرية يمثل رمزاً مهماً للمجمع الأرثوذكسي في فلسطين..بل إنه كسر أو خالف قرار البابا شنودة وسافر للقدس المحتلة للعزاء في مطرانها الانبا ابرام. فلما سأل المسيحيون قبل المسلمين عن مخالفة قرار البابا شنودة بشأن عدم زيارة القدس المحتلة باعتبار ذلك تطبيعاً صريحاً مع المحتل ،رد المتحدث باسم الكنيسة المصرية بولس حليم قائلاً: إن «قرار المجمع المقدس بعدم سفر المسيحيين للقدس لم يتغير، رغم سفر بابا الكنيسة تواضروس الثاني إليها في مهمة دينية. وأن الموقف هو عدم الذهاب الا بصحبة إخواننا المسلمين».

في ضوء ذلك توقعت ومازلت أن يصدر بيان من الكنيسة الأرثوذكسية المصرية اعتراضاً أو رفضاً للإجراءات الإسرائيلية خاصة وأن المركز الملّي الأرثوذكسي والمؤتمر الأرثوذكسي العام وجها للمشاركة في التظاهرات تنديداً بصفقات تسريب أراضٍ وعقارات في مدينة القدس المحتلة وفي فلسطين عموماً لمصلحة جهات استيطانية.

والمؤلم أو المفزع هنا أن صحيفة ها آرتس الإسرائيلية كشفت عن ثلاث صفقات جديدة أبرمتها البطريركية لبيع أملاك تابعة لها في القدس المحتلة بأسعار منخفضة على نحو يثير تساؤلات حول الدوافع؛ تماماً كما حصل في ثلاث صفقات مماثلة تم الكشف عنها قبل شهر!.

وتزداد أهمية التدخل المسيحي المصري اذا علمنا أن أبناء الكنيسة الأرثوذكسية يقودون حملة للتصدي لهذه المهزلة.

لست في حاجة للتذكير بموقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في عصر الفتح العربي عام 16هـ/638م، وحرصه على عدم المساس بالقبر المقدس بسوء؛ بل ترك للمسيحيين الحرية الدينية، وألزم المسلمون أنفسهم بذلك في وثيقة «العُهدة العمرية»، التي أعطى بموجبها أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب) للمسيحيين أماناً لأنفسهم وكنائسهم؛ فلم يلحقها أي أذى، بل إنه رفض أن يصلي في كنيسة القيامة، حين حضرت الصلاة وهو فيها؛ لئلا يحذو المسلمون حذوه ويصلوا فيها؛ وشيّد بالقرب منها مسجداً سمي «مسجد عمر».

كما أنني لست بحاجة للتذكير بموقف الفاتح صلاح الدين عند تحرير القدس عام 582هـ/1187م حيث أشار عليه بعض من حوله في قادة الجيش بهدم الكنيسة؛ حتى لا يبقى حجة للغرب الأوروبي لغزو البلاد وقتل العباد بحجة الكنيسة؛ إلا أنه رفض ذلك، وآثر الاقتداء بعمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، وأغلق الكنيسة ريثما تهدأ الأوضاع، ثم أعاد فتحها.

هذا على الجانب الديني أو الروحي، أما على المستوى السياسي فلا أجد سوى الجامعة العربية التي طالب أمينها العام أحمد أبو الغيط وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون بإعلان الاعتراف بدولة فلسطين تصحيحاً لوعد بلفور الذي تصادف ذكراه المشؤومة غداً.

إن التصدي للاستيطان الإسرائيلي في هذه المرحلة أجدى كثيراً وأكثر معقولية من طلب الاعتذار عن وعد بلفور أو انتظار وعد من جونسون.

لقد وصل من أريحية الاستيطان الإسرائيلي لدرجة التمدد أو مد القدم في وجه العرب حد طرح القيادة الإسرائيلية أول أمس أيضاً لمشروع « القدس الكبرى» بحيث يتم ضم مستوطنات كبرى في الضفة الغربية لبلدية القدس وإخراج أحياء عربية منها!.