وجودُ (بصمةٍ) برَنَّةٍ في المكان، مسموعةٍ أو مشاهدةٍ بإضاءة.. أو حتى معنويةٍ، يعدُّ أمرًا جديرًا بالبحث والاهتمام عند هواة البحث والتحقيق.

وفي البحث عن تاريخ (البصمة) في القطاعات الخدمية وبيئات العمل عمومًا، وجد الباحثون فرضيّتين: تقول إحداهما: إن أوّل استخدام لجهاز البصمة جاء بعد فهمٍ مغلوط للأخبار المنتشرة بأن فلانا ترك (بصمة) في مكانه وارتحل! والسيد المسؤول انتقل إلى الدار الآخرة بعد ملاحظة (بصمات) في إدارته سرعان ما انمحت مع وجود المسؤول الجديد؛ مما استدعى ضرورة وجود آلية لحفظ (بصمات) السابقين وتوثيقها حتى لا تختلط البصمات؛ فتفتق الذهن العربي عن إدخال جهاز تنظيم البصمة في القطاعات.

ومع أن النتيجة أتت عكسية فأضحى جهاز تنظيم وضبط الحضور والانصراف من الأجهزة التي يكرهها معظم العاملين، وهل مرّ عليك جهاز مكروه ويخشاه مستخدموه، وهو الجهاز الذي يكاد يُجمِع غالبية مستخدميه على عدم صفاء الودّ بينهم وبينه؟ فلا بد من أن يأخذك الفضول نحو سبب اختراعه.

الفرضية الأخرى تقول: إن قوما أصيبوا بالإحباط بعد رصد تحوُّلٍ جذريّ في إنتاج الإدارات المعنية وغياب حقيقيّ لبصمات الراحلين وانقطاع نسلهم الإنتاجي وانعدام البصمات في كثير من محيطات العمل، فلجأوا إلى حيلة اختراع (البصمة).. حتى لا تغيب المفردة في فترات الدوران الوظيفي.. المهمّ أن تكون هناك (بصمة) موثقة.. وحتى إذا سُئل أحدهم عن بصمات السابقين أحال السؤال إلى موظف الأرشيف وكفى بجهاز البصمة، وموظف الأرشيف ورفقته من نسخ من الأوراق شهداء!

ومع تعالي صيحات (الباحثين) عن تفوّق أي الفرضيات أعلاه وأقربها إلى الصدق، لم نجد من يسأل عينة البحث نفسها (الموظف) عن حقيقة ارتباطه بالبصمة، وأثرها في إثبات وجود (بصمته) في المكان من عدمها.. ومدى ارتباطها بالحالة النفسية وقت الخصم وحضورها كدليل على بصمات (الجناية) وغياب (بصمات) الإنجاز على أي حال وعدم تسجيلها.

وفي توصيات غريبة لدى زميلٍ باحث (معتلّ) أوصى -قبل علّته- بضرورة وجود جهاز يسجّل بصمات الإنجاز بالتوازي مع بصمات الحضور التي تستخدم لإثبات جناية التساهل أو نفيها.. لكنه أصيب بصدمةٍ أرجعته إلى عقله مع قرار الإلزام بخمس بصمات للحضور في اليوم الواحد.. وصار مغرما برقم (خمسة) ويجوب الشوارع يسأل عن حلّ للغزه: «خمسُ بصماتٍ ضائعة في اليوم وخمسٌ منجَزة.. كم مجموعهما إذا قُسّمت على ثلاثين مُرجزة؟!

ولأن المجانين لا يُعترَف بهم في لغة البحث العلمي أدعو على عجالة إلى الاستفادة من مقترح الزميل قبل علّته.. وآمل ألا يُصاب عقلي بلوثة!

وإذا فهمنا تاريخ البصمة وأنه راجع إلى عقلية إدارية ترى أن الانضباط في الحضور أهم من بصمة الإنجاز.. فلن يأخذنا الفضول مرة أخرى عن تاريخ غياب بصمات الإنجاز.. ومدى علاقته بظهور البصمات الإلكترونية الافتراضية.. فقدر العالم العربي التعلّق بالواقع الافتراضي.