أواصل القراءة في قرار إنشاء مجمع الملك سلمان للحديث .. فمن القواعد، التي وضعها علماء الحديث لبيان الحديث الصحيح من الموضوع والضعيف موافقة متن الحديث للقرآن الكريم، ومن علامات وضع الحديث وضعفه مخالفة متنه للقرآن الكريم، ومع هذا نجد أنّ علماء الحديث ركَّزوا على صحة الإسناد، ولم يهتموا بصحة المتن، بل نجد منهم من اعتبر أنّ شهرة الحديث تغلب صحة إسناده، ولفقدان مخطوطة الإمام البخاري التي كتبها لصحيحه، وكتابته بالسماع من تلامذته بعد وفاته بأكثر من مئة سنة، مع عدم وجود مخطوطة كاملة لصحيحه، وتفرّق مخطوطاته في عدة دول ومكتبات، وقيام مستشرقيْن بتحقيق بعض مخطوطاته نتج عن كل هذا وجود عدة أحاديث في الصحيحين مخالفة للقرآن الكريم استغلتها الجماعات المتطرفة في عملياتها الإرهابية، واستغلها أعداء الأمة في إثارة الفتن، ومن الأحاديث الواردة في الصحيحين ومخالفة للقرآن الكريم:

1. حديث الإمام البخاري «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».. وهذا الحديث يخالف ما جاء في قوله تعالى: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة:217)، فلم يقل جل شأنه «من يرتدد عن دينه يُقتل»، وإنّما قال: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ)، وأكد على عدم قتل المرتد في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) (النساء:137)، ولو كان حكم المرتد القتل لقتل من الرِّدة الأولى، فكيف يؤمن مرة ثانية ثم يكفر، ثم يؤمن ثم يكفر، والسنة الصحيحة لا تناقض القرآن الكريم، وما دام هذا الحديث مخالف للقرآن الكريم، دليل على عدم صحته، فلا يؤخذ به، وهذا ما ينبغي بيانه في الهوامش في طبعات الصحيحين تحت إشراف المجمْع، فقد استغّلت الجماعات الإرهابية هذا الحديث في إباحة قتل الحكومات والشعوب العربية والإسلامية الذين كفّرتهم.

2. حديث أبي هريرة: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلٰهَ إِلاَّ الله. فَمَنْ قَالَ: لاَ إِلٰهَ إِلاَّ الله فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى الله»، أخرجه البخاري ومسلم وأبوداود والترمذي والنسائي.. وحديث عَبْدِاللّهِ بْنُ عُمَرَ عن رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ الله، وَأَنَّ مُحَمَّدا رَسُولُ اللّهِ. وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ. فَإِذَا فَعَلُوا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا. وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللّهِ». أخرجه البخاري ومسلم. والقول: «فالقتال واجب بموجب هذا الحديث حتى يكون الدين كله لله»، هذا يعني أنّه واجب علينا القتال إلى أن تقوم الساعة لفرض الإسلام على الخلق أجمعين، ونكون في حالة حرب مع غير المسلمين، فهذا الحديث يتناقض مع الآيات التالية:

(لا إكراه في الدين)، (البقرة:228) ولكنهم قالوا بنسخ هذه الآية.. (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)، (هود:118).. (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ. وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)، (يونس:99-100).. (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، (القصص:56).. أمّا الاستدلال على وجوب القتال حتى يكون الدين كله لله بقوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (الأنفال:39)، فاستدلال ليس في محله، لأنّ هذه الآية نزلت بشأن مشركي مكة الذين فتنوا المسلمين وعذّبوهم، وأجبروهم على الهجرة إلى الحبشة، ثم إلى المدينة بعد تآمرهم على قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وليس في قتال غير المسلمين إلى أن يسلم جميعهم.. وللحديث صلة.