مُقدِّم برنامج تلفزيوني ناجح يظهر على شاشة الفضائيَّة وهو يتناول وجبة فطور الصباح في مطعم شعبي مردِّدًا: فول بريالين، وعيش بريـال، وما أحد يموت من الجوع.

أعادني قوله إلى أيَّام الطفولة، وعالمنا العربي يُقاسي من تداعيات الحربين العالميَّتين الأولى والثانية، ويعاني أيضًا الجوع والفاقة، ونقص المواد الغذائية وفقدان السيولة النقديَّة، مما اضطر الكثيرين إلى طحن نوى التمر وعجنه وخبزه، وتناوُل كُلِّ ما تُنبته الأرض من أوراق خضراء، لسدِّ متطلّبات بقائهم على قيد الحياة. تلك الفاقة كانت وراء هجرة العديد من أبناء الجزيرة العربيَّة إلى البلدان المجاورة، لما عانوه من مصاعب في سبيل لقمة العيش، إلى أن تحقَّق للملك المؤسِّس -طيَّب الله ثراه- توحيد مملكتنا وإعادة أمور الحكم إلى نصابها في الرياض، ومن بعد بناء المملكة التي ننعم بخيراتها.

في البدايات، كانت رواتب الموظَّفين تُصرف لهم على طريقة «خرج ناشف»؛ ككتف أو فخذ من ماشية، وقليل من الرز ومن السمن وحفنات من القهوة والهيل، إلى أن أذن الله باستكمال بناء المملكة، وتدفّق البترول، وما صاحبه من دخل نقدي أدّى الى إصدار الريـال السعودي فضَّة في البداية، وورقًا بعد ذلك. وأخذت بشارات الخير والرفاه تتوالى إلى أن تبوَّأت بلدنا مكانة مرموقة بين دول الجوار وبقيَّة دول القارَّتين العريقتين آسيا وإفريقيا. واستقدمنا العمالة الأجنبيَّة من بلدان العالم كافَّة بالملايين للعمل في مجالات تطوير الدولة حديثة التكوين، وبناء مرافقها لتصل إلى مصاف الدول المتقدِّمة، وقد اغتنى العديد ممن اغتنموا الفرص، وتبدَّل أُسلوب معيشتنا من: «على قَدَرٍ يا موسى»، إلى: «أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب»، ومع ارتفاع سعر البترول أصبح ما كان كماليًّا في الماضي من الضروريّات. وبين عشيَّة وضحاها انخفض سعر البترول في الأسواق العالميَّة، ففقدنا كثيرًا من إيرادات الدولة الأمر الذي حدا بنا إلى الدعوة لترشيد النفقات، لتحقيق التوازن بين الإيرادات والمصروفات دون استنزاف الاحتياطي النقدي الذي يغطِّي العملة السعوديَّة المتداولة.

وفي الآونة الأخيرة، رأينا بفضلٍ من الله بعد أن تحسنت أسعار البترول، ومع رؤية المملكة الطموحة 2030م، والخطوات الإصلاحية التي تتخذها الدولة رعاها الله، رأينا انفراجًا كبيرًا في الدخل العام للدولة.. وهذا من فضل الله أولًا ثم الخطط الطموحة والإجراءات الحازمة التي يتخذها ولاة أمورنا ضد كل مَن تُسوِّل له نفسه الإضرار بالمال العام، وعلينا جميعًا أن نعي بأن وعد الحقِّ جلَّ جلاله: «إن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا» باقٍ إلى يوم يبعثون.