الغنى حكمه في ديننا مباح، لا يضار صاحبه، مادام قد جمع أمواله مهما بلغت بطريق مشروع حلال، ولكن من تضخمت ثروته، ولا يُعرف سبب مشروع لحصوله عليها، فللدولة المسلمة محاسبته على ذلك، فإما أن يثبت وصولها إليه بطرق مشروعة، وإلا أُخذت منه ورُدّت لبيت المال، وهذا سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يؤسس لهذا ويعلنه للناس، فقد استعمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلًا من بني أسد يقال له: ابن اللُتْبية على الصدقة، فلما قدم عائدًا من مهمته قال: هذا لكم، وهذا أُهدي إليَّ، فقام رسول الله -عليه الصلاة والسلام- على المنبر: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إليّ، فهلا جلس في بيت أمه وأبيه فينظر أيهدى إليه أم لا؟، وحذر -صلى الله عليه وسلم- من يختلس مالًا من المال العام أشد التحذير، وهذا الخليفة الراشد سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يحاسب الولاة (حكام الأقاليم)، فإذا زادت ثروة الواحد منهم زيادة كبيرة حاسبهم خشية من استغلالهم لنفوذهم، وكان يحاسبهم على الهدايا التي يحصلون عليها، وكان يناصف بعضهم أموالهم إذا تضخمت، حتى وإن لم يخوّنهم.

فالغنى وإن كان مباحا ولا حد لثروة المسلم إذا حصل عليها بطريق مشروع يستطيع إثباته،إلا أن تصاعدها يثير رائحة فساد، خاصة إذا كان يلي من مناصب الدولة منصبًا كبيرًا، فيجب أن يطلب منه إثبات طرق حصوله عليه، وإلا ردت إلى بيت المال، ومن هنا نجد في الدول الحديثة أن من يتولى المناصب العامة يقدم للدولة وثيقة بكل ثروته قبل أن يلي المنصب، ويتخلى عن إدارتها حتى يترك المنصب، ولاشك أبدًا أن التقي هو من لا يقبل المال إلا من حله، أي من طرقه المشروعة، وينفقه حسب الشريعة، يطلب لنفسه النجاة في الدنيا والآخرة، ولو اتقى الناس ربهم لأفاض عليهم من بركات الأرض والسماء ما يمنعهم أن يأخذوا مالًا حرامًا، فالله عز وجل يقول: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا* يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا* وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا)، فليكن مالك حلالًا، فذاك هو ما يزيده نموًا، فبركة العمل الصالح تغني الإنسان، فكم رأينا من أغنياء تزيد أموالهم باستمرار مع أنهم أحسن الناس خلقًا وتقوى وأبعدهم عن فساد، ورأينا أغنياء قد بلغت أموالهم مليارات ولكنهم اكتسبوها من طرق غير مشروعة ومحرمة، فرأيناهم عبر الزمان يفتقرون تمامًا حتى يحسن الناس إليهم، فاحفظ أخي المسلم نفسك واكتسب المال من حله، تُقبل دعوتك، فقد قال سيدنا سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال له -صلى الله عليه وسلم-: يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، وإن هذا لمُجرّب، فجربوه رحمكم الله.