تشابه كبير يمكن ملاحظته بسهولة، بين ما يجري الآن في المملكة، من خطط إصلاحية طموحة، وحرب شرسة أعلنتها الدولة ضد الفساد، وما حدث في سنغافورة قبل 55 عاما، على يدي رئيس الوزراء «لي كوان- يو».

ويرى المراقبون أن إطلاق صاحب السمو الملكي، الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، عمليات الإصلاح الهرمي، لمحاربة الفساد، يؤكد حرص المملكة على تحطيم التابوهات، التي كانت تغض الطرف عن مخالفات المسؤولين التنفيذيين، من الوزراء، وغيرهم، كما تشير إلى اقتناع القيادة الرشيدة بالتجربة السنغافورية الناجحة.

وتحمل التجربة السعودية، في الإصلاح، تشابها كبيرا مع نظيرتها السنغافورية، في عدد من النقاط، التي بدت واضحة منذ إعلان ولي العهد لبرنامج التحول الوطني، ورؤية 2030، ومع إعلان الحرب على الفساد؛ أصبحت التجربة السنغافورية، هي الأقرب فعليا لما تعيشه المملكة اليوم، من تطورات تمثل خطوات وثابة في طريق النهوض والنجاح والتنمية.

تغير مفصلي

وخلال الفترة الحالية يعيش المواطن السعودي أياما تاريخية، يشهد خلالها تغيرات مفصلية في توجهات الوطن، حطم خلالها سمو ولي العهد، تابوهات عتيقة، وأعلنت لجنة مكافحة الفساد، فور صدور الأمر السامي بإنشائها، توقيف عدد من الأمراء، والوزراء، والمسؤولين التنفيذيين؛ بتهم تتعلق بالفساد، وسط تأكيدات القيادة على أن الدولة أعلنت حربا مفتوحة ضد الفساد ورموزه مهما علا شأنهم، أو كبرت مناصبهم.

وأدت هذه القرارات، إلى ترسيخ أبعاد العهد الجديد، في أذهان الشعب، لا سيما بعد أن حطم صاحب السمو الملكي، الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد جميع النظريات القديمة والخاطئة، التي كانت تؤكد أنه لا مساس ببعض الأسماء مهما فعلت، لعلو شأنها، وهو ما صار من الماضي، بفعل القرارات الأخيرة للقيادة الرشيدة.

المملكة على خطى

نمر آسيا

وإذا كانت سنغافورة، هي نمر

آسيا الأثير، فإن المملكة الآن تسير على خطى هذا النمر، ساعية إلى الاستفادة من تجربته الفريدة؛ لتحقيق الطموح الذي يتناسب مع تطلعات أبناء الشعب، لغد أفضل، عبر سلسلة الإجراءات الهرمية لمحاربة الفساد، التي كانت ذات يوم أول ما اتخذته سنغافورة.

من خطوات لبدء

نهضتها الكبرى

وعبر مواجهة قوية مع الفساد، بسلسلة من القوانين الصارمة، وإرادة من القيادة لضبط الأوضاع، ومنع استغلال النفوذ، أطلقت المملكة العنان لتحقيق الانطلاقة، بوقف تجاوز القانون، حفاظا على الوطن، ومقدراته، واقتصاده المنطلق.

البداية عام 1959

بدأ رئيس الوزراء السنغافوري، صغير السن آنذاك «لي كوان- يو»، باني سنغافورة الحديثة، خطته الطموحة، بمكافحة الفساد؛ لإعادة الأموال التي يمكن أن تدير استثمارات تنهض بالبلاد، فبدأ فور توليه الحكم هجوما ضاريا على الفساد، توقع الكثيرون فشله، لكنه لم يكترث لمنتقديه، ومضى في وضع خطط محكمة لإنقاذ بلده، فأنعش السياحة وانتقل بعدها للتعليم وقبل ذلك كله سن قوانين لمكافحة الفساد تشمل تشريعيات تشدد العقوبات، وتوسع دائرة المساءلة القانونية، واستحدث تنظيمات إدارية ضد الفساد، وسد الثغرات التي تؤدي لاستغلال المناصب؛ بإنشاء مكتب تحقيقات لمتابعة الفساد.

القمصان البيضاء

والبقاء للأكفأ

وطلب رئيس الوزراء السنغافوري من كل وزرائه ارتداء قمصان بيضاء؛ لتذكرهم بضرورة الالتزام بالنزاهة، وعدم استغلال النفوذ، وكرمز للاستقامة، كما وضع قانونا بعنوان: «البقاء للأكفأ»، أتاح الفرص أمام أصحاب الشهادات العليا وخاصة من التخصصات النادرة، للإسهام في بناء نهضة البلاد، إلى جانب جذب الاستثمارات الأجنبية والعقول الأجنبية أيضا لتوطين الصناعات المختلفة في بلاده وتدريب كوادرها، كما أسس هيئة التنمية الاقتصادية لتسهيل الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب محاربة رجال الأعمال الفاسدين، وهو ما تسير المملكة عليه حاليا أيضا.

نتائج مبهرة

وحققت هذه الإجراءات نتائج مبهرة، وأصبحت سنغافورة، كما ستصبح المملكة، دولة هي الرابعة آسيويا في التقدم، وبعد أن كان دخل الفرد السنغافوري السنوي لا يتجاوز 45 دولارا أصبح الآن يتخطى 30 ألف دولار، ولأن سنغافورة يعتبر أكثر سكانها من الشباب، إذ يصلون إلى 60 %، فإن السياسة الجديدة وجذب الاستثمارات وتنوع مصادر الدخل وتوطين العقول والصناعات استطاع أن يحل مشكلة البطالة، لتصبح سنغافورة الأقل في العالم، من حيث أعداد العاطلين بنسبة لا تتجاوز 3 %، وارتفع ناتجهم المحلي ليصل إلى 300 مليار دولار، رغم أن سكانها لا يتعدون 6 ملايين نسمة.