يذهب كثير من نقّاد الأدب إلى القول بإنّ أدب السيرة الذاتية يظلّ متأرجحًا في ذاكرة المتلقّي في منطقة لا تسلم من «الريبة» حول الغاية والهدف والمضمون، مما هو مدوّن ومسطور.. وحين يعي أيّ كاتب هذه المزالق المحتملة في وعي المتلقي، ويعمد بذكاء وحرفية عالية إلى ترتيب هذه الهواجس في خاطره، فإنّه بذلك يهيّئه للسير في منعرجات سيرته بدافع المتعة والنّظر في حياة إنسان كما عرفتها الأحداث، دون تزييف في اللغة، أو تمويه للوقائع، بما يجعل من السيرة الذاتية - وفق هذا المفهوم –

مساحة للمتعة، وفضاء للاعتبار، وذاكرة للتوثيق..

هكذا كان وعي الدكتور ساعد بن خضر العرابي الحارثي، وهو يخوض تجربة كتابة سيرته الذاتية، طيّ كتابه الموسوم بـ»رحلة على هامة التحدي»، حيث يستبق أسئلة المتلقي وهواجسه، وهو يسطّر «قبل البدء»، بموجّهات أساسية تكشف عن وعيه وإدراكه، وعزمه على تدوين سيرة، مناطها إلى الصدق والحقيقة، ليس إلا.. على الرغم مما تحتشد به من مواقف درامية، بكل ما تحمله هذه الكلمة من حمولة الإثارة والتشويق والمفاجأة..

انظر إليه يقول في مستهل كتابه: «تبدأ بعض أفلام الدراما الأمريكية بتجسيد مواقع الألم إلى درجة استلاب الدمعة من مقلة المتابع، ولكنها تنتهي بنجاح بطل الفيلم وتحقيق أهدافه والانتقال من الجحيم إلى النعيم.. يحصل هذا في الأفلام؛ وهي في أحيان تعكس حقائق وقعت على أرض الواقع حتى لو اعتراها الكثير من المبالغات وتضخيم صور المأساة أو الفرح، أما السير الذاتية الوثائقية فإنها ترتكز على الحقائق كما هي دون مبالغات؛ ذلك أنها توثيق لمشوار حياة قد يكون المستفيد الأول منه أبناء الكاتب وأحفاده وأقاربه. وإذا جانب هذا النوع من الكتب الحقيقة المجردة، فإنّه يصبح خطأً كبيرًا في حق الكاتب وحق التاريخ وحق القارئ، وتزييفًا لوقائع وأحداث ومسيرة لم تكن أو كانت مبالغًا فيها، وكاتبها يكون إما مريضًا نفسيًا وإما مدفوعًا بارتداء ملابس ليست من مقاسه بهدف أن يكون الثعلب أسدًا، وهذا النوع من الكتب يتهاوى سريعًا إلى مكب المهملات. لقد كانت هذه القصة مدركًا لهذه الحقيقة فابتعد تمامًا عن المبالغة في المعلومات أو الحادثة أو حتى استخدام فنون اللغة لقد أراد لكتابه أن يكون صادقًا صحيحًا يقدم الحقائق كما هي».

في ضوء هذه اللافتة المنصوبة تحت «قبل البدء»، يمكننا القول بإن المؤلف فلت من فخاخ ومنزلقات الكتابة السيرية أو السير الذاتية بصورتها الشائعة، إلى براح وباحة السيرة الإنسانية، وهيّأ المتلقي بذلك لرحتله، بموجهات أساسية تتمثل في:

• وعي بماهية سرد الحقائق كما هي دون تزييف

• إدراك لنهاية الكتب المزيفة وموضعها في مكب المهملات

• الابتعاد عن المبالغة وتزويق اللغة المبهرجة

• سرد الجانب الدرامي في حياته دون تفاصيل كثيرة

• التزام مبدأ الأمانة وعدم الخوض في ما تقتضيه ضرورة الكتمان

هذه الموجهات الأساسية ستصحب قارئ هذا السفر الماتع، طوال (16) فصلاً، وملحقاتها انبسطت في (407) صفحات من القطع المتوسط، بأسلوبي سردي أسلم فيه المؤلف المقود لصوت «الراوي العليم»، الذي يدرك كل شيء، ويفهم ما قام به، مقدمًا سيرة أشبه ما تكون في تقنياتها الكتابية بفن الرواية، بما يكشف من قدرة المؤلف على امتلاك مقومات السرد بكل فنّياته، ومطلوباته.. مخلّصًّا كتابه – الصادر عن دار مدارك للنشر – من برودة الحقائق المطلقة، والتسجيل التاريخي في سياقه الأكاديمي الجاف، وإنما هي رحلة ماتعة، يتناوب فيها الأسلوب واللغة الباذحة الأدوار في صياغة الحقائق والأحداث على نحو مشوّق وجاذب وماتع..

بين عالمين

خذ عندك «الفصل الصفري»، بهذه العنونة المخالفة للسائد عند المؤلفين والكُتّاب، عند هذه المحطة الصفرية يكشف لك المؤلف عن «صراع مع النفس»، يستهله بجملة شاعرية الإيقاع: «كان في داخله فردوس من طموح، جذور خضرته من الأحلام.. أحلام تكفي لتصنع حالة كمال إنسانية».. لتدرك على إيقاعها معاناته «الصفرية / الأولية» مع:

* الجغرافيا التي عاش فيها في قريته «المريفق»، فهي: «شمطاء، تصفع الوجه، توغل في الصدود، جبالها سوداء، جافة، لا تصلح لدور البطولة»، وغيرها من الأوصاف السلبية التي جعلت منها بيئة «تدفعه إلى خارجها بأسرع وقت.. أن ترفضه.. أن تفك أسره..».

* إحساس اليتم صغيرًا تاركًا تفصيل ذلك للفصول المقبلات

ثم يقفز «الحارثي» قفزة زمنية هائلة إلى العام 1980 ليعقد المقارنة «بين القريتين»، في إشارة لقريته الأم «المريفق»، وقرية «كدرون» في ولاية أوهايو الأمريكية، وقد جاءها طالبًا.. ليقف مذهولاً أما التشابه الذي وصفه بقوله: «لا فرق بين ما يتمثل أمامه في هذه القرية، وبين ما عاشه أيام الصبا؛ فالفارق الأهم هو أنهم في (المريفق) كانوا يعيشون بهذه الطريقة البدائية؛ لأنهم لم يملكوا خيارًا آخر، ولم تصلهم الحياة المدنية بعد، في حين أن هؤلاء القوم (الأميش) قرروا بكامل إرادتهم أن يتخلوا عن كل متع الحياة العصرية»..

وحشة وشقاء

ولئن كان «الحارثي» قد استغل تقنية تسريع السرد، بالاختصار وطي السنوات في «الفصل الصفري»، فإنّه يعود بنا إلى الفصل الأول مصورًا «المريفق وحلف مع الشقاء»، إيذانًا بفض مغاليق وأسرار طفولته وصباه، مضيفًا إلى مظاهر الجغرافيا الخشنة التي أوردها في الفصل الصفري، صورة لا تقل عن سابقتها، فهم «تعلّموا أن يكونوا أحجارًا تملك العقل والعاطفة، وإن اتصفوا – بشرية –

بالشجاعة وقوة البأس، وبالاندفاع والتهور أحيانًا كثيرة، كانت عزة النفس والكرم كما ظلّينِ للإنسان هناك، في أكناف الطائف ومكة المكرمة»..

هذه الصورة الموغلة في الإيحاش، يرافقها «ألم من رحم الفرح»، شرعه الحارثي بلغة محتشدة بالحزن والأسى، مصورًا لحظة ميلاده، من مخزون ذاكرة نقل إليها المشهد، بكل تناقضه الحزين، ليجسد لحظة مشهد والده المنتظر لميلاده، وقد «كان وحيدًا مع امرأته وطفليه في غرفة خالية إلا من بعض الفرش وقليل من متاع، يدعو الله أن تمر هذه الليلة لن ينساها ما حيي –

بسلام، وأن تضع مولدها الرابع».. ويمضي مصورًا هواجس والده، وكيف ندم على «اتخاذه قبل سنوات قرارًا بمغادرة قريته ليسكن الطائف»، وفي غمرة هذه الهواجس «وصل المخاض إلى ذروته، ليدهشه لأول وهلة صراخ الوليد معلنًا دخوله إلى الدنيا»..

لحظة لم تكتمل دوائر الفرح فيها، فقد كان الموت يتربص بأمه وصوتها يزداد خفوتًا وأنينًا مكبوتًا، لذا لم يخطر بخلد والده أن «خفوت صوتها لم يكن يعلن نهاية المخاض فحسب؛ بل نهاية حياة أيضًا.. لقد ماتت»..

من «الخيانة» للإبداع المضي في تلخيص هذه اللحظة بالصورة التي أوردها الكاتب، فليس أمام قارئ هذا الكتاب إلا العودة إلى الصفحات من (24) إلى (42) ليدرك حجم المأساة التي صوّرها المؤلف.. جملة الأحداث في تواليها تنتهي بكل بشكل مأساوي إلى نسيان والده له، ونشوب الخلافات العائلية في دائرته الصغيرة، واضطرار والده أن يستعيده إلى حضنه في «بيئة صارخة بالطبيعة»..

شقاوة طفل

في الفصل الثاني تحتشد متعة التفاصيل وهي تصف الصبي «ساعد» في «ولادة ثانية»، وهو ينمو ويترعرع وقد «عاش مع أم ليست أمه، وإن اعتبرها أمًّا حقيقية».. «كانت علاقة استثنائية بين أمّ تبحث عن طفل، وطفل يبحث عن أم حنون».. وحتى هذه الحالة الاستثنائية وضع الخلاف الأسري لها حدًا، ليعود الطفل (ساعد) إلى والده، ليشع اليتم مرة أخرى فـ»أكثر ما كان يفتقده ويحز في نفسه أنه عندما يردد «يمة» لا يجد جوابًا».. ماضيًا إلى وصف السمات التي تميز بها الطفل (ساعد)، وفي إجمالها أنه: لم يكن طفلاً عاديًا، كان نابهًا، ذكيًا، حادًا، كثير الحركة، عنيدًا ومشاكسًا، لا يردعه شيء عن تحقيق مراده» (...) «حتى إن مجتمعه الصغير كان يصفه بـ»الشيطان»، ومن مظاهر هذه الصفات أن «ساعد» كان:
  • يتحدث حديث الكبار مما يعد تجاوزًا وقلة احترام في نظر كبار القرية
  • لحوحًا في الجلوس في مجالس القرية
  • لا يسمح للأطفال بالتغلب عليه إذا لاعبهم
  • يصر أن يكون في ساحة الرجال في المناسبات
  • لا ييأس ولا يستسلم
  • راجح العقل قاده ذلك للإصرار على التفوق العقلي المبكر
كل هذه الصفات يقدم لها المؤلف ما يشفع ويكشف من تفاصيل ماتعة، حرية بالقراءة، وجديرة بالمطالعة، وعزيزة على التخليص، لما يستبطنه التلخيص من خفض لمعدل المتعة المرجوّة.

من جوف الكتاب

• مع بزوغ شمس اليوم الثالث للرحلة، دخلت السيارة مدينة الرياض، وتراءت للركاب تلك المدينة الطينية المطعمة بقليل من البنايات الإسمنتية، كانت شوارعها ضيقة، ومعظمها ترابية، ولا تزال في أسمالها.

كلام (القصيبي) وتقويم الشاب لنفسه أشعل في داخله جذوة تحدٍّ جديد

• اعتاد أن يصنع من التحدي ثوبا يرتديه، لا يخلعه حتى في منامه. وكان يدرك أن أحدًا لا يستطيع ركوب ظهر إنسان إلا إذا انحنى.

• عاد إلى أسرته الصغيرة يسابق الريح، ودخل بيته يهتف بأعلى صوته «لقد نجحت» وعمّ الفرح البيت، كانت لحظة ماجدة من أجمل لحظات عمره.

خطوات التحدي

على هذا المنوال الراسم لملامح السمات الأولية التي وقرت في شخصية الدكتور ساعد، والظروف التي شكلت مزاجه ورؤيته للأشياء، ورسمت طريق التحدي أمامه لبلوغ أقصى احتمالات النجاح والطموح، على هذا المنوال يمضي في بقية فصول الكتاب الـ(16)، راسمًا صورته في مقاعد الدراسة الابتدائية في مدرسة «المريفق»، وجلوسه في مقعد الدراسة في حضرة معلمين مصريين أزهريين وفلسطينيين وسوريين، «جمعوا بين العلم والتربية من جانب، والحزم من جانب آخر»، ويروي لك كيف أن روح «الشقاوة» قد لازمته في سني الدراسة الأولية الأمر الذي «لاحظه معلموه وأدركوه، لذلك كانوا يسندون له بعض المهمات المدرسية، فكان عريفًا لفصله، وخطيبًا في اجتماعات المدرسة الطلابية والمناسبات المدرسية، وممثلاً مسرحيًا في حفلات نهاية العام».. وفي تطوافك معه في خطوات الدراسة سيكشف لك عن أسباب انقطاعه عن الدراسة لسنة واحدة، ولم وصف ذلك بـ»التقلب على الجمر»، ولأي سبب كان هناك «نحيب في العتمة»، وما هو أول تحدي خاضه «الحارثي»، وما هو القرار المصيري الذي غيّر مجرى حياته لاحقًا، ولأي سبب قرر الهجرة إلى الرياض، وما الواقع الجديد الذي عاشه فيها، وأي دور لعبه في كتابة المعاريض، وكيف استقبل قرار تعيينه على وظيفة «عدّاد»، وأي نكسة كانت في انتظاره، ولمْ عاد إلى الدراسة مرة أخرى، وما هي «الخطيئة» التي وقع فيها، ولم تزوج بغرض المصلحة فقط، وما كانت ثمرته، وكيف كانت نهايته.. وأي أثر تركه كتاب «عبقرية عمر رضي الله عنه» في روع «ساعد»، ومن أي النوافذ دخل إلى عالم الصحافة، وما قيمة فاتورة الحلم الأول، ولماذا أنّبه الدكتور غازي القصيبي، ومن أي المسالك عرف «الطريق إلى السحاب».. وأي «صدمة» تلقاها، وكيف كانت حياته في رحاب جامعة ولاية ميتشجن، ومن الشخصيات الأمريكية التى اختارها لتكون محور بحثه لرسالة الماجستير، وما جرى له بعد عودته إلى الديار مكللاً بالنجاح، وما هي الأفكار الجديدة التي راودته، وأي دور أدّاه في الساحة العامة، وبماذا أسهم في مهمته السياسية التي أوكلت له بعد أزمة الخليج 1991م.. وماذا فعل «في مواقع القرار» وبخاصة «في رحاب الداخلية»، وما هي تفاصيل «المعركة الطاحنة» ولأي سبب قادته خطى الطريق نحو موسكو، وماذا سطّر «على هامش الوظيفة الحكومية»، وأي دور له في إنشاء أول صحيفة إلكترونية، وما هي «الفاجعة» التي قلبت حياته رأسًا على عقب..

كل هذه الأسئلة وغيرها لا يمكن الوقوف على جلية أمرها إلا بالمرور وئيدًا في منعرجات السرد الماتع، واللغة الباذخة، والأحداث الدرامية التي تتأرجح بين الحزن والفرح، والأمل والخيبة، والسقوط والنجاح، في سياق سيرة تكشف عن إنسان رسم لحياته مسارًا وسط الصعاب، وخاض معركة الوصول إلى الذرى عبر التحدي، وبلغ الغاية مما أراد، فكانت سيرته بهذا المعنى صورة من صور الاقتداء، ولمحة من حياة إنسان؛ جديرة بأن تطالع، وقمينة بأن تدرس، وحفية بأن تنتقل من سطور الكتاب إلى عالم الدراما والتمثيل إن وجدت كاتب سيناريو مجيد، ومخرج مبدع.