العديد من الناس لا يرغبون في تولي المهام الصعبة خشية الإخفاق، ربَّما نَسوا أن من علامات الرجولة الحقَّة تحمل المسؤولية وقبول المهام الصعبة حتى أنه قيل بأن الرجال لم يُخلقوا إلا للمهام الصعبة، والقيادة الواعية في كل المستويات تبحث دومًا عن أولئك الرجال الذين يستشعرون مسؤوليتهم ولديهم القوة والحزم على مواجهة المكاره والعقبات لإيمانهم العميق بأن في وسعهم القيام بما هو مطلوب منهم دون أن يتواروا عن المواجهة مع ما يعتريهم من مشكلات، لا سيما أن الانسحاب والاستسلام أمام قضايا الحياة ليست من سمات الرجال كما أوردنا، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي هذا السياق يُحكى أنَّ أول فريق بريطاني توجه لتسلق قمة إيفرست التي تعد أعلى قمة في العالم لاقى صعوبات كبيرة جدًا وخَسِر واحدًا من أفراده الذي تُوفي أثناء محاولة التسلق، وعند العودة إلى لندن تم عقد مؤتمر صحفي للحديث عن التجربة السيئة والصعبة فوقف قائد الفريق وكان قد وضع خلفه صورة كبيرة لقمة إيفرست... وقف ونظر إليها وقال (أحزن على رفيقي الذي توفي بسببك.. لكن أعلم أيها الجبل العظيم أنك ستبقى كما أنت، ولكنني سأتطور وأتطور وأتدرب حتى أعود إليك وأهزمك.. نعم هزمتني في المرة الأولى لكنني سأعود أقوى) فعلًا وبعد بضعة سنوات فقط كان هذا القائد فوق قمة إيفرست يضع علم بلاده.. معلنًا انتصاره وانتصار عزيمته على ذلك الجبل العظيم.

لوحظ في العقد الأخير طلب المعلمين والمعلمات الإحالة إلى التقاعد في سن مبكر ومعظمهم لم يتجاوز الخمسين وأغلبهم يُقدِمون على هذا الإجراء هروبًا مما أسموه الواقع الذي لا يحتمل في التعليم العام منها سلب السُلطة وإضعاف هيبتهم فضلًا عن التصرفات اللا مسؤولة من بعض أولياء الأمور تجاههم وعدم احترام الطلاب للأنظمة وغياب الجهات التي تحميهم.. إلخ، وقد لوحظ أيضًا في مرفق القضاء تسرب العديد من القضاة لعدم رغبتهم الالتزام بالتعليمات الجديدة التي شملت تطوير مرفق القضاء وغير ذلك من الأعذار، كما شهدت بعض المرافق حالات مماثلة والحاجة ماسّة جدًا لدراسة هذه الأمور وإخضاعها للبحث العلمي وإيجاد السبل الكفيلة بوقف هذا النزيف والهروب من الواقع المُعاش.

إنَّ الصبر والإحتساب مطلوب من كل هؤلاء ومن يصبر على أذى الناس يؤجر على صبره قال تعالى (إنما يُوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) وينسب إلى أفلاطون القول (الرجل الصالح هو الذي يحتمل الأذى لكنه لا يرتكبه) و(الثمن الذي يدفعه الطيبون لقاء لا مبالاتهم بالشؤون العامة هو أن يحكمهم الأشرار) وحسبي أن العاقل لا يرضى بذلك والرجال خُلِقوا للمهام الصعبة ومن العار الانسحاب من ساحة الحياة بحثًا عن الراحة والضمائر الحية لا تقبل الهروب.